الرميّة.. عُرْفٌ من أعراف الأفلاج العمانية, قراءة في نموذجين من وثائق الأفلاج

أحمد بن حمد بن هلال المعولي

 

كانت الأفلاج وما زالت أهم مصدر مائي في عُمان، ونظرا لأهمية هذا المصدر بالنسبة لحياة العمانيين فقد ابتكرت أنظمة وتعارفَ الناس على أعراف كان من شأنها تنظيم عمل الأفلاج، وبحق فإن كل فلج في هذا الوطن هو سجل حافل بالكثير من الأحداث منذ تأسيسه إلى بداية ظهوره وترسيم نظام سقيه وتشغيله، ومن الأعراف التي عرفت في عدة أفلاج عمانية ( الرمية)، وفي هذه المقالة نبرز نموذجًا لتطبيق هذا العرف في حادثة انهيار بفلج الحديث ببلدة مسلمات بولاية وادي المعاول في شهر رجب من عام 1382هـ الموافق ديسمبر عام 1962م

فلج الحديث ببلدة مسلمات

أحد أهم الأفلاج بوادي المعاول، وهو الفلج الوحيد الحي بهذه البلدة وتعتمد عليه في سقي المزروعات، وقد انقطعت باقي الأفلاج التي كانت موجودة بهذه البلدة وهي المحيدث والمقحم والعوينة والفوري والجويعدة، بالإضافة لفلج الصاروج الذي كان يأتي من نخل ويسقي جزءًا من أراضي بلدة مسلمات، ولا علم لنا بتاريخ تأسيس فلج الحديث غير أن أقدم إشارات وجدتها حتى الآن ورد ذكر فلج الحديث فيها عند ابن عريق(ت1190هـ) حيث قال: «إن سيف بن سنان بن بلعرب الدرعي خص ولديه سنانًا وناصرًا بماله الكبير المسمى القتالة، وأن يكون شربه من مائه من فلج الحديث على دور خمسة أيام..»[1]، كذلك وثيقة بها إقرار صداق عاجل لإحدى زوجات الشيخ سيف بن سعيد الزاملي المعولي مؤرخة سنة 1161هـ[2].

وللفلج خمسة سواعد بالإضافة للعين أم الفلج[3] والسواعد[4] هي (ناصر وشهيل ومليب وخلفان بن سيف والدروع)، ويدور الفلج الآن على أحد عشر يومًا وبه 528 أثرًا مقسمة على إحدى عشرة بادة وهي (العوينة، المسيح الأولية، النشيان، البادة، القعد القاصر، القعد الوافي، باسديره، المدريات، المنقل، الرفيعة، المسيح الأخيرة)، جزء منها ملك للفلج والوقف، والجزء الآخر ملك للأهالي.

تعريف الرمية

أحد أعراف الأفلاج العمانية ومظهر من مظاهر التكاتف الاجتماعي، ويُعرّف هذا المصطلح بأنه: مبلغ من المال يدفعه أرباب الفلج ويحدد حسب الحاجة الداعية له وذلك باتفاق الشركاء جميعًا، فمثلا لو حدد عن كل أثر قرش فإن من يملك عشرة آثار يدفع عشرة قروش عند تطبيق عرف الرمية.

 

ملخص الحادثة

تشير الروايات الشفهية أنه نتيجة لنزول أمطار غزيرة بعد صلاة العصر جرت على إثرها الشعاب والأودية ونظرًا لأن بعض فرض الفلج تقع في مجرى وادي الميسين[5] وبعضها في مجرى الشراج[6]، فقد أثرت شرجة القطف على إحدى فرض الفلج فانهار السل المجاور لها فانسد مجرى الفلج ولم تحن صلاة المغرب إلا والفلج قد انقطع عن البلدة، فأصبح الناس يعتمدون على الطويان في سد حاجتهم لماء الشرب وتوفير الماء في البيوت واستغلال غيل الوادي في احتياجاتهم الأخرى.

وكما ذكرنا بأن عرف الرمية يمثل أحد صور التكاتف الاجتماعي بين أفراد المجتمع العماني، فهنا منذ وقوع الانهيار نجد أن أهل البلد بادروا بإصلاح ما وقع في فلجهم الذي يعتمدون عليه وتم تشغيل ثلاث مهبات[7] لعمل الصاروج، وقد بلغ بهم الحال مبلغا نتيجة انقطاع الفلج عن البلدة، فاتفق رأي الجميع على تطبيق عرف الرمية وقد طبقت في هذه الحادثة ثلاث مرات عن كل مرة يسلم كل مالك بقدر حصته وحسب المقرر تسليمُه عن كل أثر باتفاق الجماعة، وبذلك يشعر كل فرد بدوره وأهميته في المجتمع.

وفي فترة وقوع هذه الحادثة حضر الكبير والصغير وتكاتف الجميع لأجل إتمام العمل وكل يحث صاحبه، وقد وقع أثناء العمل حدث زاد من عظم المصيبة إذ انهار جزء من السل[8] على العاملين في الأسفل أثناء العمل ونتج عن ذلك وفاة خلف بن هلال بن محمد المعولي ابن وكيل الفلج وإصابة أحد العاملين معه، ورغم ما حصل فإن ذلك لم يَثنِ عزيمة العاملين بتوفيق الله لهم حتى عاد الفلج بالجريان للبلدة، وبادر بعض الأشخاص بالعمل بل كانوا في مقدمة العاملين وهم لا يملكون أي شيء في الفلج.

 

الوثيقة الأولى

تؤرخ الوثيقة لحادثة الانهيار الذي وقع بفلج الحديث في شهر رجب عام 1382 هـ الموافق شهر ديسمبر 1962م، وقد كتب الوثيقتين الشيخ سيف بن سعيد بن محمد المعولي[9]، حيث تتناول الوثيقة الأولى[10] في مضمونها حادثة الانهيار مع بعض التفاصيل المتعلقة بتطبيق عرف الرمية المتعارف عليه لدى أرباب فلج الحديث أثناء حاجة الفلج للمال لإصلاح أي خراب يطرأ في الفلج ويكون التبرع من أربابه كل بقدر حصته.

وحسب ما ورد في الوثيقة فإنه لما وقعت هذه الحادثة انقطع الفلج عن البلد بتاتا حروة عشرين يوما، وقد باعوا بعض أوقافه لتوفير المال لسداد قيمة المصاريف المطلوبة لإتمام العمل ثم آل نظرهم إلى العمل بعرف الرمية حيث ورد في الوثيقة ما نصه: (ولكون الطياح فيه عظيمًا باهضًا آل نظر الجماعة أن يجعلوا رمية على الآثار بدورانها لمضي أحد عشر يوما مرة واحدة على أهل الأصول والذين يستقعدون من الخابورة..)[11]، وحسب ما ورد في الوثيقة فقد تم تنفيذ ثلاث رميات خلال هذه الحادثة وذلك حسب الآتي:

الرمية الأولى الرمية الثانية الرمية الثالثة
عن كل أثر قرشان عن كل أثر قرش عن كل أثر قرش

 

الصورة رقم (1) الوثيقة الأولى

ونظرًا لحاجة تطبيق عرف الرمية إلى حصر الملاك فإننا نجد في الوثيقة ذكرًا مفصلًا لملاك آثار فلج الحديث والمستقعدين منه، ولا يخفى أهمية هذا التوثيق لمعرفة تفاصيل ملاك فلج الحديث في تلك الفترة، ويظهر من خلال هذا التوثيق بأن هناك مجموعة أشخاص من خارج البلدة كانوا يملكون حصصا لا بأس بها في الفلج ومنهم بعض أهالي قرية أفي[12] وقد أُفرد لهم جزء خاص في الوثيقة الأولى، كما ورد ذكر أملاك الوقف ومسؤوليها ومنها الماء الموقوف للمساجد وأموال الوقف والأثر الموقوف لإصلاح كتب الشيخ سيف بن سعيد بن خلف الزاملي المعولي[13]، ومن حيث التفاوت في نسبة الحصص المملوكة فإننا نجد الشيخ سيف بن عبدالعزيز بن محمد الرواحي (ت1412هـ) [14]يتصدر القائمة بـ 113.5 أثر والتي هي ملك أسرتهم في فلج الحديث، كما أشارت الوثيقة الأولى لبعض أوقاف الفلج التي بيعت لتوفير كلفة العمل ومنها مقصورة المحيدث.

الوثيقة الثانية

تناولت الوثيقة الثانية تفاصيل الرمية الثالثة التي سلمها ملاك الفلج والمستقعدون، وكان مقدار التسليم فيها قرشا عن كل أثر كما قدمنا، وكان تنفيذ هذه الرمية في شهر شعبان سنة 1382هـ وفي الصورة رقم 2 نجد تفاصيل ذلك:

الصورة رقم (2) الوثيقة الثانية

 

 

خاتمة

تظل وثائق الأفلاج ونسخها مرجعًا مهمًا لدراسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العماني وأعرافه، وتحليل آثارها، كما أنها تمثل نموذجا للتكاتف الاجتماعي بين أفراد المجتمع العماني، لذلك يبقى الحفاظ عليها ودراستها أمرًا مهمًا يجب أن يلتفت إليه الباحثون والمهتمون بهذا الشأن.

[1] قصص وأخبار أيام دولة اليعاربة، ابن عريق، الطبعة الأولى 1437هـ 2016م، ذاكرة عمان،  ص 26.

[2] وثيقة لدى الكاتب نسخة منها، خزانة الشيخ سيف بن سعيد الزاملي المعولي الوقفية، مسلمات – وادي المعاول.

[3] أم الفلج: آخر منطقة من الفلج بعكس اتجاه سريان مياهه يبدأ عندها دخول المياه إلى قناته، الأفلاج العمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، هلال القاسمي، الطبعة الأولى 2015م،الانتشار العربي، ص 52.

[4] الساعد: فرع من الفروع له صفات الفلج نفسها التي تساعد على زيادة كمية المياه الداخلة إلى القناة الرئيسية ويلتقي الساعد معها عند فرضة تسمى فرضة ملتقى السواعد. الأفلاج العمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، هلال القاسمي، ص52.

[5] أحد أهم الأودية الرافدة لفلج الحديث ببلدة مسلمات، ويأتي من جهة قرية الميسين بولاية نخل ويمر على بلدة مسلمات ثم يلتقي فيها بوادي العين ووادي جحفان وتتجه جميع الأودية في مجرى واحد على باقي قرى وادي المعاول.

[6] الشرجة: مسيل الماء من الهضاب ونحوها إلى الوادي، الموسوعة العمانية، عدة مؤلفين، الطبعة الأولى 2014م،  م6، ص2005.

[7] المهبة: مكان صناعة الصاروج،  والصاروج مادة لاصقة تقليدية تصنع من الطين وتستعمل في البناء الموسوعة العمانية، مجموعة مؤلفين، م6، ص2092.

[8] السل: القناة أو النفق الذي تم شقه تحت الأرض بأعماق متفاوتة وبداخله يجري الماء في الأفلاج العدية، الأفلاج العمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، هلال القاسمي، ص53.

[9] سيف بن سعيد المعولي: والٍ وكاتب ونحوي عاش في القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، تولى على عدة ولايات في عهد السلطان قابوس، له رسالة مختصرة  في أعلام وادي المعاول،  توفي في عام1423هـ الموافق 2002م.

[10] يملك هاتين الوثيقتين خالد بن هلال بن محمد المعولي والذي كان أبوه وكيلا لفلج الحديث في تلك الفترة التي وقعت بها هذه الحادثة.

[11] وثيقة انهيار فلج الحديث ببلدة مسلمات بوادي المعاول عام 1382هـ الموافق 1962 م، المصدر: وثائق خالد بن هلال المعولي مسلمات – وادي المعاول، لدى الكاتب نسخة منها.

[12] إحدى قرى وادي المعاول.

[13] سيف بن سعيد الزاملي المعولي: وال وفقيه وشاعر وناسخ عاش في القرن الثاني عشر الهجري والعقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري، تولى على السويق للإمام أحمد بن سعيد، له العديد من القصائد، أوقف مكتبة علمية مع أثر ماء لإصلاحها، توفي عام 1207هـ.

[14] سيف بن عبدالعزيز الرواحي: عالم وقاضٍ وفقيه وأديب وناظم للشعر، ولد عام 1324هـ تولى القضاء للإمام الخليلي رحمه الله على وادي المعاول عام 1360هـ، له العديد من المؤلفات منها النبع الفائض في أصول الفرائض والنفحة الوهبية في الأصول النحوية وعقيدة المذهب الشريف الإباضي وغيرها من المؤلفات، توفي عام 1412هـ الموافق 1991م، الشيخ سيف بن عبدالعزيز الرواحي نشأته وحياته وآثاره، أحمد المعولي، ندوة من أعلام وادي المعاول 1، 1440هـ -2019م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *