تطور استخدام العلامة المائية في المخطوط العربي وتطبيقاتها في المخطوطات الرقمية

د. صالح بن سليمان الزهيمي

تستعرض هذه المقالة نشأة العلامة المائية للورق المخطوط، وظهور العلامات المائية في المخطوطات العربية، كما تتطرق إلى السبل الكفيلة لحماية المخطوط الرقمي والمتاح على شبكة الانترنت من خلال استخدام بعض تقنيات وطرق إدراج العلامات المائية المرئية وغيرها، وتستعرض طريقة إدراج  مكتبة ذاكرة عمان للعلامة المائية الرقمية.

 

لمحة تاريخية عن ظهور العلامات المائية في المخطوطات العربية

يعرف الشامي[1] العلامة المائية (Paper mark – Watermark) بأنها «تصميم يمكن رؤيته في الورق عند النظر إليه في مواجهة الضوء، يتكون في أثناء صنع الفرخ الرطب على السلك بوساطة نمط محفور أو بارز».

وتعود البدايات الأولى لظهور العلامات المائية إلى أواخر القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وكانت تأتي بأشكال متعددة فمنها يأخذ شكل الانسان، أو شكل الحيوان، أو صورة نباتات أو حروف هجائية[2]

 

الشكل رقم (1) علامة مائية “رأس الثور” موجودة في كتاب الطبقات للدرجيني

المصدر: مدونة Paul Love متاحة على https://ibadistudies.com

ثم ظهرت بعض العلامات الفرعية التي تتخد إحدى زوايا الورقة موقعا لها، كالأحرف الأولى من اسم الصانع، أو رقم المصنع، والتأريخ[3]. أما العلامة المائية في المخطوطات العربية فقد اتخذت تصميم الثلاثة الأهلة المتتالية، نظرا لمكانة الهلال في نفوس المسلمين، ويختلف موضعها في المخطوط بناء على حجم الورق المستخدم. وقد ظهرت أول علامة مائية عربية تظهر في ورق تم صنعه بالعالم العربي في الورق المصنوع بكاغدخانة بمصر على شكل هلال يتجه بطرفيه إلى الأعلى وتتوسطه نجمة خماسية[4].

 

 

شكل رقم (2) نموذج لعلامة مائية مصرية من إنتاج مطبعة كاغدخانة الدائرة السنية

المصدر: الخطوط والعلامات المائية في المخطوطات العربية. أمير محمد صادق. ص 124.

وفي هذا يقول قاسم السامرائي: « لقد تنبه العرب عفوًا، أو تعمدًا إلى فعل الأسلاك النحاسية[5] في الكاغد[6] حين تترك في الورقة خطوطا يمكن رؤيتها من خلال تعريض الورقة للشمس أو ضوء لامع، فظهرت هذه الخطوط في كواغد نهاية القرن السابع للهجرة بصورة بدائية، وازداد ظهورها في النصف الأول من القرن الثامن الهجري وهي تسمى: الخطوط المائية. فقلدها صناع الورق الأوربيون وأضافوا إليها علامة خاصة بمصانعهم”[7]. إلا أن تارنز والز يرى بأن معظم العلامات المائية في المخطوطات ترجع إلى البندقية نظرًا لهيمنة الإيطاليين على تجارة الورق بمصر[8]. وهذا ما أكده أمير صادق[9] بأن فكرة ابتكار العرب للعلامات المائية أمر يصعب إثباته، ولم  تُرصَد أي علامات مائية عربية قديمة تؤكد أسبقية العرب في هذا المضمار، وأشار في دراسته المعنونة ب “الخطوط والعلامات المائية في المخطوطات العربية” بأن العرب ليسوا بحاجة إلى تصميم علامات مائية للتفريق بين مصدر صناعة الورق، حيث إنهم كانوا يفرقون بينها بأسماء متعارف عليها مثل الشامي والسمرقندي والبغدادي والحموي والدمشقي والمغربي وغيرها.

وتفيد العلامات المائية في الكشف عن بعض خصائص الصنعة المادية للمخطوط، كتحديد حجم الورق ومصدره، وتأريخ الأوراق غير المؤرخة أو الاستئناس لتاريخ التأليف أو النسخ، وهي بلا شك مفتاح كبير للمحققين والمفهرسين، والتعرف إلى أسماء صناع الورق والتعرف إلى مدى التعاون والتبادل التجاري بين البلدان المختلفة، وتتبع التغيرات التي تطرأ على المخطوطات [10]

إلا أن الاستدال بالعلامات المائية لدراسة خصائص المخطوطات العمانية يحتاج مزيدا من البحث، ولعلنا في مقالة لاحقة نتتبع ظهور العلامات المائية في المخطوطات العمانية، وهي عملية قد تتطلب بعض التقنيات وبمساعدة مختصين في تحليل الورق، لأن بعض العلامات المائية يمكن الكشف عنها من خلال كشاف ضوئي على منصدة ضوئية،  أو باستخدام إشعاعات التصوير بالراديو.

 

إدراج العلامة المائية في المصورات الرقمية للمخطوطات

إن توجه بعض المؤسسات التراثية والمكتبات إلى تصوير مخطوطاتها واتاحتها على الانترنت فتح المجال للمختصين في مجال تقنية المعلومات للبحث عن آليات تراعي خصوصية المخطوطات وتحفظ ملكيتها من السرقة والعبث وغيرها.

ولذا ظهرت بعض الدراسات الأكاديمية التي تنادي بتطبيق العلامة المائية الرقمية المرئية وغير المرئية في ملفات المخطوطات المتاحة على الانترنت، وقد ركزت معظم الدراسات على تطبيق بعض الأساليب البرمجية اعتمادا على خوارزميات معينة تتناسب مع طبيعة المخطوطات.

وتتنوع التقنية المستخدمة في إدراج واستخراج العلامة المائية، فبعض الطرق تحاول زيادة السعة للحصول على كمية أكبر من المعلومات التي يمكن إدراجها دون تشويه الصورة. وبعضها تركز على جودة الصورة من التشويه بعد عملية إدراج العلامة المائية، وأخرى تركز على زيادة حصانة العلامة المائية المدرجة وثباتها ضد أي عمليات معالجة أو إزالة [11].

وكما أشرت سابقا بأن الهدف من العلامة المائية الرقمية المرئية هو إشهار ملكية المخطوطة وبيان مصدرها، ولضمان نسبتها إلى مؤلفها أو مالكها، وقد تنوعت تطبيقات هذا النوع من العلامة، فبعض الدراسة طبقتها على جزء معين من الصورة وبعضها طبقتها على خلفية الصورة.

أما في إدراج العلامة المائية الرقمية على المصورات الرقمية للمخطوطات فقد تنوعت أيضًا طرق تصميم العلامة، فبعض المؤسسات اعتمدت برامج جاهزة ومعدة خصيصا لوضع العلامة المائية الرقمية، وبعضها اعتمدت على برنامج فوتوشوب وغيرها من برامج التصميم.

وقد اعتمدت مؤسسة ذاكرة عمان فقد عتمدت في وضع العلامة المائية على مصوراتها الرقمية على طريقتين:

  • بناء أكواد برمجية خاصة.
  • الاعتماد على بعض البرامج المعنية بوضع العلامة المائية المرئية مثل adobe acrobat pro

والخطوات الآتية تشرح مراحل إدراج العلامة المائية في المخطوطات التي تنشرها مؤسسة ذاكرة عمان في موقعها الإلكتروني:

 

أما طريقة وضع العلامة المائية الرقمية المرئية على المخطوطات يدويا وباستخدام برنامج Adobe Acrobat Pro من خلال الخطوات التالية:

 

  • نأخد مثلا مخطوطة تحمل رقم MR-01.عنوانها كتاب جامع أبي الحواري في خزانة الشيخ مالك بن محمد العبري، يحتوي الملف على  340 صورة عبارة عن صفحتين من المخطوطة (عدا الصورة 1و2)

 

 

 

  • بعد تقسيم كل صفحات المخطوطة نحصل على 503 صفحة ، على هذا الشكل

 

  • ثم تأتي خطوة تجميع الصفحات بواسطة برنامج image to PDF    لنحصل على ملف للمخطوطة
  • نقوم بمعالجة شعار ذاكرة عمان ببرنامج فوتوشوب، لإزالة الخلفية و الألوان وتحجيمه بطريقة لا تشوه محتوى صفحة المخطوطة (حجم الشعار هو 124 كيلوبايت)

يُستخدّم برنامج Adobe Acrobat Pro   لاضافة العلامة المائية (الشعار)

خاتمة

استعرضت المقالة العلامة المائية في المخطوطة الأصل، وتاريخ تطورها، وأهمية دراسة العلامات المائية لتتبع مصدر الورق والاستئناس بتاريخ التأليف والنسخ، وغيرها من الجوانب الحضارية والتاريخية، كما استعرضت حماية المخطوط الرقمي بإدراج العلامة المائية الرقمية المرئية وغير المرئية من خلال استعراض نموذج لطريقة إدراج  مؤسسة ذاكرة عمان للعلامة المائية الرقمية، وهي وسيلة للحد من انتحال أو تزوير أو استغلال المخطوطات المتاحة على شبكة الانترنت، كما أنها أداة اطمئنان للمؤسسات التي تمتلك مخطوطات رقمية لاتاحتها للباحثين، وتساهم في الحد من التخوف غير المبرر لدى الكثير من هذه المؤسسات، حيث إن من نتائج هذا التخوف حرمان الباحثين من الاستفادة من هذا المصدر المعرفي النادر.

 

قائمة المراجع

  1. أحمد محمد الشامي. المعجم الموسوعي لمصطلحات المكتبات والمعلومات، دار المريخ للنشر، 1988.
  2. أكرم محمد زكي. نموذج حصين للعلامة المائية ضد أنواع الهجومات المختلفة، المجلة الدولية لعلوم وهندسة الحاسب باللغة العربية، مج4، ع2، 2012، ص 2.
  3. أمين محمد فرج شعبان، تكنولوجيا الورق، ص 29.
  4. أمير محمد صادق إبراهيم. الخطوط والعلامات المائية في المخطوطات العربية: دراسة على مخطوطات مكتبة الأوقاف المصرية، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 2010.
  5. ديروش، فرنسوا؛ ترجمة أيمن فؤاد سيد. المدخل إلى علم الكتاب المخطوط بالحرف العربي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2005.
  6. قاسم السامرائي. علم الاكتناه العربي والإسلامي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2001.
  7. Walz, Terence. “The Paper Trade of Egypt and the Sudan in the Eighteenth and Nineteenth Centuries and Its Re-Export to the Bilād as-Sūdān.” In The Trans-Saharan Book Trade, pp. 73-107. Brill, 2010.

 

[1] أحمد محمد الشامي. المعجم الموسوعي لمصطلحات المكتبات والمعلومات/ ص 1185.

[2] أمين محمد فرج شعبان، تكنولوجيا الورق، ص 29.

[3] ديروش، فرنسوا. المدخل إلى علم الكتاب المخطوط بالحرف العربي، ص 114.

[4] أمير محمد صادق إبراهيم. الخطوط والعلامات المائية في المخطوطات العربية: دراسة على مخطوطات مكتبة الأوقاف المصرية، ص 126.

[5] استخدمت الأسلاك النحاسية في صناعة الورق بأسبانيا في منتصف القرن السادس الهجري، من أجل وضع خطوط متعرجة في الورق، وقد لاحظوا انطباع تلك الأسلاك على الورق، فطورا استخدام الأسلاك إلى تصميم علامة مائية في السلك بوصفه علامة تجارية.

[6] مصنع الكاغدخانة المصرية بمصر (الحسينية) التي أمر محمد علي بتأسيسها عام 1235 هجري/ 1820 م،

[7] قاسم السامرائي، علم الاكتناه العربي والإسلامي، ص 295.

[8] Walz, Terence. “The Paper Trade of Egypt and the Sudan in the Eighteenth and Nineteenth Centuries and Its Re-Export to the Bilād as-Sūdān.” In The Trans-Saharan Book Trade, pp. 73-107. Brill, 2010.

[9] أمير محمد صادق. مصدر سابق، ص 125 وما بعدها.

[10] المصدر السابق، ص 140.

[11] أكرم محمد زكي. نموذج حصين للعلامة المائية ضد أنواع الهجومات المختلفة، المجلة الدولية لعلوم وهندسة الحاسب باللغة العربية، مج4، ع2، 2012، ص 2.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *