حبيب بن يوسف الفارسي وإنتاجه النحوي

د. سعود بن عبدالله الزدجالي

يهدف هذا المقال إلى معالجة ثلاثة جوانب تتعلق بالإنتاج العلمي لحبيب بين يوسف الفارسي، يتعلق الجانب الأول بحياته وميلاده أما الثاني بالظروف العلمية والاجتماعية التي أحاطت به في مسقط، والثالث بنظرية العوامل النحوية التي قدم وفقها كتابه “فتح الأبواب إلى سلّم الإعراب” وفي الأجواء المدرسية وأصالة أفكاره، وكل هذه الجوانب تتعالق مع الحركة الثقافية والعلمية في التاريخ العماني الحديث قبل اكتشاف النفط أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لا سيما في عاصمة الدولة مسقط في عهد السيد فيصل بن تركي سلطان الدولة؛ على أننا نحاول الاستفادة من كافة المصادر العلمية الأساسية في بسط الموضوع وتغطيته تغطية شاملة ومركزة وفقا للمساحة المتاحة.

حياة المؤلف الفارسي والظروف الاجتماعية والسياسية

لعل أهم المصادر التي ترجمت للمؤلف ما قدمه علي بن إبراهيم المعيني في كتابه “بهجة الناظرين”[1]؛ إذ غطى المؤلف أغلب الجوانب المهمة في حياته في جزء كبير من كتابه المذكور آنفا[2]، علاوة على الملحق حول التعريف بالمدرسة الشافعية بمسقط[3]، كما ترجم له محقق كتابه موضوع المقال عامر فائل محمد بلحاف في رسالة الماجستير المنشورة[4]، وأضاف المعيني ترجمة أخرى في تحقيقه لـ”الفتاوى المعتمدة من خلاصة فقه الشافعية” للفارسي[5].

يعرِّفه المعيني بأنه “العلامة الفقيه المحقق الزاهد الورع الولي الشيخ حبيب بن يوسف بن حبيب بن محمد رفيع بن محمد شريف بن ملا عبدالله بن محمد أمين بن أبي القاسم بن ملا يوسف العماني موطنا، الفارسي مولدا، الشافعي مذهبا، شيخ شيوخ علماء عمان من أهل السنة في عصره، وعلم من أعلام القرن الرابع عشر الهجري”[6]، وتؤرخ هذه المصادر ميلاده بالتاريخ الهجري ؛ فمولده في العام (1276هـ) ووفاته بتاريخ التاسع من صفر (1329هـ)[7] ويتضح ذلك على غلاف مخطوطة فتح الأبواب.

على أننا نرجح أن وفاته كانت بين ثلاثة أشهر قمرية هي شوال وذي القعدة وذي الحجة من العام الهجري (1329هـ)؛ إذ يذكر المعيني واقعة توقيف الحاج حسين بن غلوم الكنكوني لبعض الكتب بمدرسة مغب الشافعية بتاريخ 27 من ذي الحجة في العام (1273)[8] ويولد الفارسي بعد ثلاث سنوات هجرية تقريبا من هذا العام؛ وعليه فإن حياة المؤلف محصورة بين العامين الميلاديين (1851- 1911م) أي أنه عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى بدايات العشرين وفي فترة سياسية حرجة.

نزل الفارسي مسقط في العام (1299هـ) وتولى التدريس في المدرسة الشافعية بعد وفاة شيخه محمد صالح بن محمد الفارسي (ت 1304هـ)، وعليه فإن بداية فترة التدريس تكون في عهد السيد تركي؛ إذ تولى السيد فيصل مقاليد الحكم في الرابع من يونيو (1888م) وهو يوافق 24 من رمضان (1305هـ)، ولعل الحركة العلمية للشيخ قد ازدادت في هذه الظروف السياسية المضطربة بسبب انخراطه في المدرسة الشافعية؛ مما يعني أن لهذه التحولات دلالة كبيرة في الاعتناء السياسي بمدرسة فقهية موازية للمدرسة الإباضية.

 

الإنتاج العلمي في البيئة المدرسية

تدل المؤلفات ذات الطابع المدرسي المتنوع التي تركها حبيب بن يوسف الفارسي على ثقافته الدينية المتنوعة واطلاعه على أهم المصادر الشافعية وغيرها؛ فقد توزعت تلك المؤلفات بين علوم الحديث والعقائد، والتربية الدينية، والنحو، والفقه لا سيما التحقيقات والترجيحات في المذهب التي ترك فيها رسائل موجزة، وبعض الردود[9]، ولعلنا عند النظر في مجموعة “الفتاوى المعتمدة” التي حققها علي بن إبراهيم المعيني نلاحظ الآتي:

  1. سعة الاطلاع على مصادر الفقه الشافعي؛ ولا أدري ما إذا كانت هذه المصادر موجودة ضمن مكتبة المدرسة الشافعية أم أن الشيخ كان يحتفظ بها في مكتبته الخاصة أو أنه قد اطلع عليها قبل نزوله مسقط في ارتحالاته التعليمية؛ وهي تدل على قوة ذاكرة الشيخ في الاستدعاء العلمي؛ علاوة على الاستشهاد من الكتاب والسنة والترجيحات، ومما يؤخذ على المحقق أنه لم يضبط هذه المصادر في التحقيق بالإحالة إليها، كما لم يراجع النصوص المنقولة، ولعل الوقت لم يسعفه مع سنه العالية وكثرة شواغله.
  2. مكانته في الأوساط الاجتماعية العمانية، وغير العمانية، مع التقدير الكبير الذي كان يحظى به من جلالة السلطان السيد فيصل بن تركي؛ لذلك قد تولى عقد قران نجله السيد تيمور[10]، ونلاحظ أن مصادر الفتاوى المحالة إلى الشيخ مختلفة ومتنوعة منها من خارج عمان، ومنها من الداخل؛ وهذا يدل على أن الشيخ كان يمثل مرجعا دينيا معتمدا في المجتمع العماني آنذاك.

بيد أننا عند النظر إلى بيئة مسقط العلمية والدينية والاجتماعية نلاحظ أن المجتمع المسقطي في غالبه ينتمي إلى المذهبين: الحنفي والإباضي، أما المذهب الشافعي فكان المنتمون إليه يشكلون قلة فيها؛ مما يجعل العناية بوجود المدرسة الشافعية الأولى في “مغب” والثانية في “ولجات” أمرا مثيرا للاهتمام؛ ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل من بينها:

  1. اتساع رقعة الدولة العمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان؛ مما جعل بعض المناطق التي تقطنها مجموعات بشرية تنتمي إلى المذهب الشافعي مثل “جزيرة القسم” تابعة للسلطنة وهي “معقل علماء الشافعية، مشتهرة بعلمائها الأعلام، ومدارسها الدينية، يؤمها الكثير من طلبة العلم أغلبهم من دول الخليج، لا سيما من باطنة عمان”[11]؛ ولا يستبعد أن السلطان قد اهتم بهذا الجانب التعليمي لتأهيل القضاة لدولته المتعددة الانتماءات، والإبقاء على الولاء السياسي لسلطته من خلال الوعي الديني التقليدي؛ لذا نلاحظ أن محمد بن خاتم النعماني شيخ الشافعية قد تولى مشيخة المدرسة بمسقط في الفترة (1241- 1273هـ) أي أن توليه المشيخة في فترة حكم السيد سعيد بن سلطان وتركه المدرسة بعيد وفاته على أقرب ترجيح؛ وهو الذي دعا أستاذ حبيب بن يوسف الفارسي محمد صالح بن محمد الفارسي إلى أن يخلفه في المدرسة[12]
  2. الهجرات إلى عمان في تلك الفترة بسبب الظروف السياسية أو الدينية؛ مما أدى إلى هجرة أحد شيوخ المذهب الشافعي في عهد السيد سعيد بن سلطان، وهو الشيخ محمد الزواوي الحسائي الشافعي الذي قطن يومذاك في مسكنه بولجات، وكانت بينه وبين السيد سالم بن سلطان علاقة مودة[13]، ويصرح الزواوي بهذا التضييق كما ينقله ابن رزيق في الفتح المبين[14]؛ مما يجعل التفكير منه أو من أبنائه في بناء مدرسة دينية للفقه الشافعي محتملا لا سيما وأن أسرة الزواوي تحظى بمكانة عالية عند الأسرة الحاكمة بمسقط، ونلاحظ ذلك في بدايات القرن العشرين عندما زار السيد محمد رشيد رضا مسقط كان من بين أصدقائه السيد يوسف الزواوي، وهو الذي أدب له مأدبتين حافلتين إحداهما في داره العامرة بمسقط، والأخرى في داره في سداب، وذكر من اعتنائه ببناء مسجد من أبهى مساجد مسقط، علاوة على قربه الشديد من السلطان[15]، ولذلك فإنَّ زعمَ محمد بن أحمد الخزرجي بعودة تأسيس المدرسة إلى القرن الثامن عشر الميلادي أي حوالي العام (1150هـ) مستبعد بعض الشيء[16]، وأقرب احتمال أن التأسيس بدأ لاحقا في أبناء الشيخ الزواوي، ويمكن أن يكون في عهد السيد ثويني بن سعيد؛ علما بأن المدرسة قد ضاقت بطلابها؛ مما دفع الشيخ راشد بن محمد بن علي القاسمي إلى بناء مدرسة جديدة خلف مسجد السيد الزواوي في العام (1312هـ)، ولعل المكتبة الغنية التي ألحقت بها قد فتحت آفاق البحث أمام الشيخ حبيب بن يوسف الفارسي[17].
  3. العلاقة الوطيدة التي امتدت في عهد السيد سعيد بن سلطان بين زنجبار، ومسقط من حيث انتشار المذهب الشافعي في زنجبار، فالحركة الثقافية التي رصدتها المستشرقة فاليري هوفمان بزنجبار في عهد السيد ماجد وانفتاحه الديني وإيمانه بالتعددية كان له دوره في انتقاله إلى روح السلاطين من أبنائه في مسقط.

الإنتاج النحوي لحبيب بن يوسف الفارسي

يشير الباحث حمد الذهلي في دراسته التوثيقية والتحليلية عن الجهود النحوية في عمان من (1287هـ -1397هـ) إلى أهم المرتكزات في التفكير النحوي عند نحاة عمان في هذه الفترة وهي: السماع، والقياس، والعلة، والعامل[18]، ونلاحظ أن من النحاة الذين شغلتهم فكرة العامل في الفترة ذاتها حبيبَ بن يوسف الفارسي في كتابه فتح الأبواب إلى سلم الإعراب[19]، الذي أخذ الطابع المدرسي التعليمي، ولكنه  لم يخل من تحقيقات وترجيحات وتفرد يدل على إتقانه لهذه الصنعة التي تعد من آلات العلوم الشرعية ولكن من حيث ترتيب الآراء ونقلها دون أصالتها، وتأخذ المخطوطة التي تركها المؤلف أو تلاميذه أهميتها من حيث إنها ترصد حركة التأليف والتوجهات النحوية في عمان، وعند العودة إلى طابع الفكر الشمولي في التراث الإسلامي من حيث الأنظمة التعليمية وتوزعات الحقول والتخصصات المختلفة نجد ملحوظتين:

الأولى: أن تدريس حقل محدد في المنظومة التراثية يستدعي الاهتمام بعدة حقول بوصفها أدواتٍ منهجية تستلزمها عملياتُ تحليل النص الشرعي؛ فالاهتمام بالفقه الشافعي في مدرسة مسقط يستدعي الاهتمام بالعقائد، والبلاغة، والنحو، واللغات، والمنطق وأصول الفقه، وهذا ما يفسّر الاهتمام بنظرية العامل في سياق النحو العربي لما تحمله النظرية من طابع تعليمي؛ على أن ذلك كثيرا ما يشغل المدرس الشرعي عن الإبداع والتحقيق إلى الجانب التعليمي؛ لا سيما عند غياب أجواء المنافسة.

الثانية: أن تاريخ المدارس الإسلامية التي انتعشت في فترة الحكم السلجوقي كالمدرسة النظامية التي كان من روادها الغزالي (ت 505هـ) يشير إلى الاهتمام بجانب محدد من التراث الإسلامي وهو الجانب الفقهي الأثري والذي يضفي الهوية المذهبية بصبغتها السياسية التقليدية؛ لأن السلطة كانت تروم بناء الولاء في الأتباع لصالحها والشرعية، لا سيما في خضم الصراع الإسلامي- الإسلامي بين المذاهب؛ وهذا يحيل على غياب أجواء التنافس العلمي المؤدية إلى الإبداع في العلوم العقلية والنقلية.

يشير جورج مقدسي إلى جانب آخر مواز لهذه المدارس ساعد على فتح آفاق الإبداع في القرون الإسلامية الأولى، وغاب في بيئة مسقط وهي المكتبات العامة، والمجالس التي تجري فيها المناقشات الفكرية أحيانا بعيدا عن أضواء السلطة كما كان يفعل ابن عقيل الحنبلي عندما تعلم الكلام المعتزلي في منزل أستاذه ابن الوليد الحنفي[20]؛ إضافة إلى نظام إسلامي آخر ينقل الأفكار بالإجازة عبر كتاب موقوف[21]، وهذا يعني أن الأفكار الإبداعية تنتعش في البيئات الحرة بعيدا عن السلطة السياسية للدولة، وعندما تغيب هذه البيئات يبقى الإنتاج مدرسيا رتيبا، ويمكن أن نلاحظ أن فترات الاضطراب السياسي لا تستدعي التوقف عن الإنتاج العلمي دائما.

يضعنا ذلك أمام ظاهرة علمية بالغة الأهمية تتعلق بشخصية العالم المسلم في فترات الإبداع؛ إذ نلاحظ أن العالم قديما وعندما تتوفر المؤسسات الاجتماعية ذات الصبغة التنافسية بعيدا عن المؤسسات التعليمية التي ترعاها الدولة أو السلطة؛ فالمدارس التقليدية وجهتها تعليمية وهدفها سياسي يتمثل في المحافظة على الأتباع الدينيين بتجديد الولاء، وعلومها تندرج تحت البراديغم الرتيب الساكن الذي لا يشذ عن البعد المذهبي الذي يضمن شرعية الدولة؛ بينما المؤسسات الاجتماعية الموازية وجهتها جدلية إبداعية وفقا لقانون الأعداد الصغيرة[22]، وهذا يفسّر لنا حركة الإبداع وخفوته في التاريخ العماني الذي يغلب عليه التصنيف والإنتاج التقليدي الرتيب.

يعدُّ كتاب “فتح الأبواب” للفارسي امتدادا لنظرية العوامل النحوية عند النحاة المسلمين القدماء، إذ نلاحظ أن أقدم النصوص النحوية التي تنبّهت إلى فكرة العامل النحوي، وعدته مرتكزا في العربية ترد في كتاب سيبوية (ت 180هـ) أي في القرن الهجري الثاني؛ ففي “باب مجاري أواخر الكلم من العربية” وهو الباب الثاني من كتابه[23]؛ يقول سيبويه: “وهي تجري على ثمانية مجار: على النصب والجر والرفع والجزم والفتح والضم والكسر والوقف. وهذه المجاري الثمانية يجمعهن في اللفظ أربعة أضرب: فالنصب والفتح في اللفظ ضرب واحد، والجر والكسر فيه ضرب واحد، وكذلك الرفع والضم والجزم والوقف. وإنما ذكرت لك ثمانية مجار لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يُحدث فيه العامل – وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه – وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف وذلك الحرف حرف الإعراب”[24]

تعرضت نظرية العامل إلى كثير من النقود يضيق المقام عن ذكرها، على أن أبرزها كان من الفراء أبي بكر يحيى بن زياد (ت 207هـ)، وابن مضاء القرطبي (ت 592هـ)، وعلى الرغم من النقود الموجهة إليها فإن نظرية العامل ظلت طيلة القرون الإسلامية المتعاقبة حتى جاء الجرجاني ووضع “العوامل النحوية”[25]، ومن بين النحاة المهتمين بهذه النظرية تأليفا يأخذ الطابع التعليمي المختصر هو محمد بن بيرعلي بن إسكندر البركوي الرومي الحنفي (929- 981هـ) في كتابه “العوامل الجديدة” تمييزا عن عوامل الجرجاني، ويعدّ كتاب البركوي سلفَ كتاب حبيب بن يوسف الفارسي أو الأصل الذي حوله إلى منظومة “سلم الإعراب”؛ ثم قام بشرحها شرحا يتناسب مع الأغراض التعليمية في المدرسة الشافعية بمسقط[26].

يقع الكتاب في مخطوطة يتيمة محفوظة في دار المخطوطات العمانية التابعة لوزارة التراث والثقافة برقم عام (2078)، وخاص (42هـ) اعتمد عليها الباحث عامر فائل بلحاف في دراسته وتحقيقه بجامعة السلطان قابوس، ويتضح من التقييدات على غلاف المخطوطة أنها آلت إلى الوزارة عن طريق خالد بن محمد بن سليمان النقبي الصحاري، كما أرخ على الغلاف تاريخ وفاة المؤلف، وناسخها هو عبدالله بن محمد المجزي[27].

يلاحظ على منهج الفارسي في “فتح الأبواب” أنه منهج البركوي في العوامل الجديدة؛ فالتقسيم بين الكتابين للمباحث هو ذاته إلى أبواب: العامل، والمعمول، والإعراب[28]؛ ولا يستبعد أن تكون العنونة في “فتح الأبواب” مأخوذة من تبويبات البركوي لكتابه، وإذ إنني أشرتُ إلى سعة اطلاع المؤلف على مصادر الفقه الشافعي في الفتاوى المعتمدة التي حققها المعيني ظاهريا؛ فإنه يجدر بنا أن نقف هنا على سعة مصادره وشواهده النحوية في شرحه لمنظومة سلم الإعراب التي اعتمد فيها على عوامل البركوي ولو ظاهريا أيضا، فقد اعتمد المؤلف على أهم مصادر النحو كشرح الرضي على الكافية، وابن هشام الأنصاري، وأحيانا يشكل على القارئ استعادة أصحاب الآراء لا سيما عندما يكتفي الفارسي بذكر الكتاب دون ذكر مؤلفه، كما أشار الباحث بلحاف في التحقيق عند المصدر الرابع من مصادره وهو “الفوائد”، وهذا الصنيع يتكرر في الفتاوى المعتمدة؛ ولم يبذل المحقق هناك أيضا جهدا لرد الآراء إلى مصادرها وضبطها ضبطا علميا يساعد القارئ في تقصي الأفكار.

يذكر المحقق في مبحث المصادر النحوية والصرفية التي أفاد منها الفارسي في كتابه “فتح الأبواب” ما يصل إلى عشرة مصادر، واستغلق عليه الأمر في المصدر الرابع الذي يرد في كتاب الفارسي باسم “الفوائد” فلم يتوصل إليه، على أنني أرى أن المحقق لم يبذل الجهد الكافي في أهم مصدر من مصادر الفارسي الذي يكشف أن شرحه لمنظومته ما هو إلا نقل منه بالإشارة أو بدونها؛ علاوة على أن المصادر التي ترد في سياق شرحه في الغالب لم يطلع عليها المؤلف، وإنما نقل كلام صاحب الفرائد بجملته، وبتصرف بسيط أحيانا، والفوائد الذي ينقل منه الفارسي في الفتح هو كتاب الحسين بن أحمد الشهير بزيني زادة (ت 1168) وعنوانه “الفوائد الشافية على إعراب الكافية” حققه في جامعة القاهرة لنيل درجة الماجستير في النحو الباحث رضا جمال عبدالمجيد حسن في العام (2014)[29]، ويبدو أنه يوجد للباحث نفسه مقال حول أصول النحو عند المؤلف على شبكة الألوكة[30]، ويتسم كتاب زيني زاده بكونه كتابا تطبيقيا تعليميا لم يخل من التنظيرات والنقل من النحاة والمعربين والمفسرين[31]، وقد بلغت مصادره أو تجاوزت (111) مصدرا كما عدها المحقق[32]، بل إن المحقق أغفل في هذا الموضع بعض المصادر كتفسير ابن عادل الحنبلي، وقد نشر كتاب زيني زاده عدة نشرات تصل إلى (14) نشرة، ومن بينها نشرة المطبعة العامرية سنة 1281هـ، وسوف أعتمد عليها عند الإشارة على اعتبار التمثيل في النقل.

إن ما أورده المحقق عامر بلحاف من اعتماد المؤلف الفارسي في شرحه على زيني زاده في تسعة عشر موضعا[33] لا يستقيم مع واقع كتاب الفارسي من حيث اعتماده شبه الكلي، ودون ذكر اسم المصدر، مما يجعل القارئ يعتقد أن المؤلف قد اطلع فعلا على المصادر المذكورة وهو غير صحيح؛ فلو رجع القارئ في مبحث “إعراب بسم الله الرحمن الرحيم” سيجد النقل النصي لكلام زيني زاده ودون إشارة وهذا غالب صنيع الفارسي؛ إذ يقول: “ولما أردت الاقتداء بالقرآن المجيد والاقتفاء بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ(بسم الله الرحمن الحيم) فهو أقطع، وفي رواية: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ(الحمد لله) فهو أجذم؛ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم”[34]، فهذا نقل حرفي وفي موضع لا يستدعي النقل من الفوائد[35]، ولو دقق المحقق أو القارئ في هذا الفصل حول البسملة لعلم بأنه منقول نصا من الفوائد كما هو واضح[36]، أما المواضع التي لم يتوصل إليها المحقق فهي من الكتاب ذاته، ولولا ضيق المقام لتتبعتها بالتفصيل مع سائر النقول التي تدل على عدم أصالة أفكار الفارسي وشروحه في الكتاب.

[1] علي بن إبراهيم المعيني، بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، عَمّان: أروقة للدراسات والنشر، 2015.

[2] المصدر السابق، ص. 86- 167

[3] المصدر السابق، ص. 339- 358

[4] حبيب بن يوسف الفارسي، كتاب فتح الأبواب إلى سلم الإعراب، تح. عامر فائل محمد بلحاف، مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2009.

[5] حبيب بن يوسف الفارسي، الفتاوى المعتمدة من خلاصة فقه الشافعية، تح. علي بن إبراهيم المعيني، دمشق: مكتبة دار الفجر، 2017، ص. 16- 27

[6] علي بن إبراهيم المعيني، بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، ص. 86.

[7] حبيب بن يوسف الفارسي، الفتاوى المعتمدة من خلاصة فقه الشافعية، ص. 22- 23

[8] علي بن إبراهيم المعيني، بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، ص. 91

[9] ينظر لمعرفة مؤلفات الشيخ في: علي بن إبراهيم المعيني، بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، ص. 97- 103

[10] مقدمة تحقيق: حبيب بن يوسف الفارسي، الفتاوى المعتمدة من خلاصة فقه الشافعية، ص. 22

[11] محمد صالح بن محمد الفارسي العماني، حاشية على متن الرسالة السمرقندية في الاستعارات لأبي القاسم السمرقندي، تح. علي بن إبراهيم المعيني، مسقط: ذاكرة عمان، 2019، ص. 10

[12] ينظر المصدر السابق، ص. 19- 20

[13] حميد بن محمد بن رزيق، الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين، تح. عبدالمنعم عامر ومحمد مرسي، مسقط: وزارة التراث القومي، 1ذ977م، ص. 445

[14] المصدر السابق، ص. 446- 449

[15] مجلة المنار، المجلد (16) الجزء (12) العدد 29 جمادى الأولى 1331 هـ، الموافق 7 مايو 1913م، ص. 396- 397

[16] علي بن إبراهيم المعيني، بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، ص. 340- 341

[17] المصدر السابق، ص. 349

[18] حمد بن سالم ببن سيف الذهلي، الجهود النحوية في عمان من 1287هـ إلى 1397هـ، بيروت: مؤسسة الانتشار، 2009، ص. 233

[19] المصدر السابق، ص. 262

[20] جورج مقدسي، الإسلام الحنبلي، تر. سعود المولى، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017، ص. 64

[21] المصدر السابق، ص. 66

[22] راندال كولينز، علم اجتماع الفلسفات: التأثير الاجتماعي والسياسي في نشأة الفلسفات والأفكار، بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2019، ص. 45- 62

[23] أبو بشر عمرو بن عثمان سيبويه، الكتاب، تح. عبدالسلام هارون،بيروت: دار التاريخ، جـ1/ ص. 39

[24] المصدر السابق، جـ1/ ص. 39

[25] هاجر الملاحي، نظرية العامل في النحو العربي، شبكة الألوكة، 2016.

[26] محمد بن بيرعلي بن إسكندر البركوي الرومي، العوامل الجديدة في النحو، تح. م. م. نيدرا علي عباس، مجلة العلوم الإسلامية، العدد (1)،  1430هـ.

[27] ينظر قسم الدراسة والتحقيق لكتاب فتح الأبواب للباحث عامر فائل بلحاف، ص. 101

[28] محمد بن بيرعلي بن إسكندر البركوي الرومي، العوامل الجديدة في النحو، ص. 360، حبيب بن يوسف الفارسي، كتاب فتح الأبواب إلى سلم الإعراب، ص. 14

[29] الحسين بن أحمد زيني زاده، الفوائد الشافية على إعراب الكافية، تح. رضا جمال عبدالمجيد حسن، جامعة القاهرة، جمهور مصر العربية، 2014

[30] رضا جمال، العناية بأصول النحو في كتاب الفوائد الشافية، شبكة الألوكة، 2016

[31] قسم التحقيق من: الحسين بن أحمد زيني زاده، الفوائد الشافية على إعراب الكافية، ص. 10

[32] قسم التحقيق من: الحسين بن أحمد زيني زاده، الفوائد الشافية على إعراب الكافية، ص. 77- 82

[33] قسم التحقيق من حبيب بن يوسف الفارسي، كتاب فتح الأبواب إلى سلم الإعراب، ص. 87

[34] حبيب بن يوسف الفارسي، كتاب فتح الأبواب إلى سلم الإعراب، ص. 2

[35] زيني زاده، إعراب الكافية، الآستانة، مطبعة العامرة، 1281هـ، ص. 8

[36] ينظر الصفحات 8- 11 من زيني زاده، إعراب الكافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *