درهم ظفار .. مسكوكة من القرن السابع الهجري

جمال بن محمد الكندي

لا يعرف لمدينة ظفار درهم من الدراهم اﻹسلامية سوى قطعة واحدة وهي محفوظة لدى الجمعية الأمريكية لقطع النقود في نيويورك، إذ كانت في ظفار دار ضرب النقود أيام حكم الدولة الرسولية، والقطعة درهم من الفضة، وهو مضروب على الطراز الرسولي التقليدي وقد جاءت المأثورات كما يلي:

الوجه:

لفظ الشهادتين وقوله تعالى: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)) (التوبة -33) وأسماء الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

الظهر :

يحمل ألقاب المظفر يوسف »السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور عمر» وعلى الهامش اسم آخر الخلفاء العباسين المستعصم بالله أمير المؤمنين، مع ذكر دار الضرب «ظفار» وتاريخ الضرب سنة تسعة وثمانين وستمائة (689هـ) ويعتبر هذا الدرهم شديد الندرة.

بالنظر إلى المصادر هنالك أقوال كثيرة تختلف في الأحداث والتواريخ، وسوف نحاول اعتماد ما نراه الأقرب إلى الحقيقة من خلال المصادر الأكثر موثوقية .

تذكر المصادر بأن السلطان المظفر يوسف دخل ظفار بعد خلاف بينه وبين صاحب ظفار سالم بن إدريس الحبوظي، وكانت الواقعة واحتلال ظفار يوم السابع والعشرين من رجب سنة (678هـ) فنتج عن ذلك هزيمة و مقتل الحبوظي صاحب ظفار.

أما لماذا احتل المظفر يوسف ظفار فيعود ذلك إلى استيلاء السلطان سالم بن إدريس الحبوظي على سفينة محملة بالهدايا القيمة والثمينة مرسلة إلى ملك فارس من قِبَل الملك المظفر يوسف، وبسبب الرياح جنحت السفينة إلى ساحل ظفار فطلب الملك المظفر من السلطان سالم صاحب ظفار رد السفينة وما بها من حمولة، لكن السلطان سالم بن إدريس امتنع عن ردها، وسبب ذلك انقلاب أهل حضرموت عليه بعدما طلبو منه العون والمساعدة بسبب القحط والمجاعة التى حلت بهم، على أن تسلم إليه حصونهم وقلاعهم، فلما عاد السلطان إلى ظفار انقلبوا عليه وخسر ماله. لذلك أمسك بالسفينة ورفض تسليمها تعويضًا له عما خسره من أموال.

ثم أرسل السلطان يوسف برسول آخر إلى السلطان سالم الحبوظي وبرسالة تهديد ووعيد »وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا» (الاسراء-15) فرد السلطان سالم بن إدريس على الرسول: «هذا الرسول فأين العذاب؟»، وهناك حدث آخر إذ بعد الاستيلاء على السفينة أغار السلطان سالم على عدن بجيش مجهز من عمان وتصدى له الأمير غازي بن المعمار ، فلما بلغ الملك المظفر الأمر جهز جيشًا وقسمه إلى ثلاث فرق لحماية مدينة عدن وصد الهجوم والقضاء على السلطان سالم بن إدريس، فانقلبت الأمور على السلطان سالم، وتقدمت جيوش الملك المظفر الرسولي وحلفائه من الممالك البحرية حتى وصلو محلة من محلات ظفار ألا وهي عوقد، فأقبلت جيوش وعساكر السلطان سالم الحبوظي وتقاتل الطرفان وقُتِل السلطان سالم الحبوظي، وقتل من جيشه ما يقارب ثلاثمائة من الجنود وأسر نحو ثمانمائة.

فدخل الرسوليون مدينة ظفار في يوم الأحد 28 من رجب سنة 678هـ، وخطب للمظفر يوسف بن عمر الرسولي على منابر ظفار في يوم الجمعة الثالث من شعبان، وكما هو معلوم بأن الدعاء على المنابر من إشارات الملك الثالث.

قام قائد جيش الملك المظفر بجمع كافة بني الحبوظي، وحملوا إلى زبيدة حتى انقرضوا ولم يعد لهم ذكر.

ويقول أحد الشعراء في وصف دخول جيش المظفر ظفار:

يا طول ذلك من حل و مرتحل .. وكثر شد  وإلجام و إسراج

حتى وردت ظفارًا بعدما نبذت..  ما في البطون من افلاء و أمشاج

وبعد أن عقدت في عوقد قِببًا .. ما كان سالمها بالسالم الناجي

أصبح إقليم ظفار ضمن الأقاليم التابعة للسطان الرسولي، وكان الأمير سيف الدين بن سنقر الترنجلي نائبًا للسلطان الرسولي، ثم انفصل عن الدولة الرسولية عندما أقطع السلطان الرسولي ظفار لابنه إبراهيم، و لقبه الواثق بالله سنة 692هـ. و في سنة 694هـ  توفي السلطان المظفر شمس الدين يوسف بن عمر الرسولي، و في سنة 711هـ توفي ابنه إبراهيم الواثق بالله، و دفن بمقبرة الرسولية بظفار، وقد حكم من بعده أبناؤه السلطان الراشد والسلطان عبدالعزيز، وقد ذكر ابن بطوطة في زيارته لظفار حوالي سنة 735هـ بأن اسم السلطان المغيث بن الفايز، ولكن الصحيح من خلال قراءة شاهد القبر هو المغيث بن الجواد.  وقد ظهرت بعد ذلك دراهم باسم السلطان الملك هزبر الدين داود بن الملك المظفر يوسف، ضرب ظفار سنة 721هـ، وجميع المأثورات على نفس الطراز السابق لدرهم الملك يوسف مع اختلاف سنوات الضرب فقط.

وقد وصف الرحالة ابن بطوطة رحلته إلى ظفار في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) وقدم وصفًا دقيقا لمدينة ظفار ومدينة مرباط ومينائها الشهير، وكانت حينها تحت حكم الدولة الرسولية، كما وصف ابن بطوطة العملة المتداولة في ظفار حيذاك وصفًا في غاية الأهمية، وقال بأن دراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير، وأنها لا تنفق في سواها، وهذا دليل على وجود دار سك لظفار من قبل السلطة الحاكمة وهي (الدولة الرسولية)، ومن المعلوم أن ضرب السكة هي إحدى إشارات المُلك الثلاث.

من هنا لابد أن نكشف الحقيقة بالقرائن لمن عنده شك في أن هذه الدراهم قد ضُربِت بظفار عمان وليس بظفار اليمن.

وهي كالآتي:

  • دخول جيوش وقادة المظفر السلطان يوسف بن عمر الرسولي إلى ظفار يتزامن مع الفترة التى سكت بها تلك النقود وفقًا لسنوات الضرب المعروفة لدى المتاحف وجمعيات المسكوكات العالمية.
  • ما ذكره ابن بطوطة بأن نقود أو دراهم ظفار لا تنفق في سواها، وكذلك وصفه للمكان وصفًا دقيقًا، وهو يعني بذلك ظفار عمان.
  • في الأبيات الشعرية التي قيلت في وصف دخول المظفر ظفار ذُكرت بلدة عوقد بظفار، وعوقد ما زالت حتى يومنا هذا تحتفظ باسمها.
  • عرفت ظفار عمان باسم ظفار الحبوظي، وأما ظفار اليمن فعرفت بظفار ذيبين. فظفار اليمن لم تحكم من قبل الرسوليين قط، بل كانت تحت حكم دولة بنو رسي (الأئمة الرسيين) والتى حكمت عدة مدن باليمن، بداية من الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، منذ سنة 284هـ، وآخرهم إمامهم صلاح الدين بن المطهر، حيث انتهت في عهده الدولة الرسية سنة 697هـ، وبها ضربت دراهم باسم مدينة ظفار باليمن.
  • أعاد المتحف الوطني العماني بعض شواهد القبور التى أخذت من مقبرة الرسوليين بظفار عمان في الماضي. ومن خلال دراسة الشواهد ونقش اسم السلطان إبراهيم الواثق بالله على أحد هذه الشواهد فإننا نعتبر ذلك دليلًا على حكم الرسوليين لظفار الحبوظيين بعمان، وكذلك شواهد قبور أخرى  لبعض أبناء السلطان إبراهيم.

وفي مجموعة مقتنياتي درهم ظفاري ضُرِب سنة 685هـ للسلطان الملك المظفر يوسف بن عمر الرسولي، وكذلك مجموعة من المسكوكات الرسولية والرسية، مع اختلاف الحكام وسنوات ومدن الضرب. و هناك أيضًا مسكوكات لبعض الأسر التي حكمت باليمن، ومن خلال الأدلة والقرائن ثبت بأن هذه الدراهم ضربت بظفار عمان . ومن المعلوم بأن الدراهم الرسولية الفضية متوفرة جدًا، أما الدنانير الذهبية فهي نادرة جدًا، ومما يميز الدراهم الرسولية عن الدراهم التي سُكّت باليمن أن الرسولية رديئة السك والمعدن مقارنة بباقي المسكوكات، كما تتميز الدراهم الرسولية بالتصاوير الحيوانية والآدمية، وتتراوح أوزانها بين 1.2 و 2 جرام فقط.

المصادر والمراجع :

  • تاريخ النقود في سلطنة عمان. روبرت دوران. البنك المركزي العماني. مسقط. الطبعة الأولى. 1990م. (ص: 48-49).
  • تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الاسفار. محمد بن عبدالله اللواتي الطنجي، ابن بطوطة. المكتبة العصرية. بيروت. الطبعة الأولى. 2003م. (1/ 127).
  • الموسوعة العمانية . وزارة التراث والثقافة2013. (4/ 1536).
  • مجموعة من المسكوكات (متحف بيت قرش – جمال بن محمد الكندي – نزوى).
  • النقود الإسلامية شاهد على التاريخ. محمد عمر نتو. د.ن. 2011م. (ص: 81-83).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *