سعيد بن شنون العوفي، صحفي زاويته الصخور  

سعيد بن شنون العوفي

 صحفي زاويته الصخور

 

حارث بن سيف الخروصي 

كما اشتهر في نسخ المخطوطات أشخاص أو عائلات مكثرة من النسخ، فكذلك هناك شخصيات أكثرت من التدوين على الصخور،  وممن أكثروا من التدوين في ولاية العوابي بلعرب بن بلعرب بن محمد بن بلعرب (ت: 982هـ) ([1])   وكذلك من العائلات كثيرة التدوين عائلة الشيخ جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي، حيث توجد لأخيه محمد بن خميس عشرات التدوينات التي تنوعت بين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأشعار الأدب والمأثورات والحكم، فهي أقرب ما تكون إلى نوع الصحافة أو وسائل النشر اليوم.

ونعرض في هذه السانحة لشخصية مغمورة بل تكاد تكون مجهولة، وهي شخصية المدون على الصخور: سعيد بن شنون العوفي .

اتخذ هذا المدون من مدخل وادي بني خروص في ضفتيه مكانًا لتقييداته  وتدويناته  التي تنوعت بين الاقتصادية والسياسية والأشعار وأحوال الطقس والمناخ والظواهر الإجتماعية،  حيث تطرق لحادثة هجرة في عام 1271هـ/1856م إلى الهند وإفريقيا بسبب الجفاف الذي ضرب المنطقة .

 

ومن الكتابات التي تؤرخ للأحداث السياسية :«انتقل السيد عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد البوسعيدي 9 والثلاثا من شهر شوال سنة 1285 من بركا إلى السيب قاصدًا وادي سمائل لحرب الغافرية. كتبه العبد سعيد». (لوحة: 1)

 

وفي إحدى الكتابات الإقتصادية يشير سعيد بن شنون إلى وقوع محل في العوابي أعقبته  هجرة من المنطقة حيث يقول: «ما وافق هذا الكتاب سنة 1271 وقع علينا محل و لم أجد أخذ صاع حب ذرة من الثمرتين، و الذين [تحللوا] من سوني خمسين رجل تاريخ الكتاب». (لوحة: 2)

 

ويقصد بسوني هنا  بلدة العوابي حاليًا، ([2])  ويشير هنا إلى حادثة طبيعية وهي ظاهرة المحل الذي ضرب  المنطقة وبدايات الهجرة، حيث ارتحل خمسون رجلا من بلدة سوني، ولم يستطع في تلك السنة أخذ صاع من حب أو ذرة.  وفي كتابة لاحقة يشير إلى استمرار الهجرات من المنطقة فيكتب: «فمنهم إلى إلهند والسواحل وإلى قرى عمان الذي سارت بهم القوافل والركبان ولم يرى هكذا إلى يومنا في 17 ربيع سنة 1271. كتبه العبد سعيد بن شنون». (لوحة: 3)

وهنا يشير الكاتب إلى بعض المناطق التي هاجر السكان إليها، وهي الهند حيث انتقل بعض المهاجرين إلى مدينة جمنجار الهندية في إقليم كوجرات و يسكنون حاليًا في منطقة عرب فاليا في المدينة المذكورة وكذلك في السواحل ([3]) ، ويقصد هنا سواحل إفريقيا الشرقية وخاصة زنجبار وممباسا وجزر القمر، وأيضًا إلى قرى عمان الأقل تأثرًا بالمحل. و يشير هنا إلى حجم الهجرة حيث يقول: «ولم يرى مثل هذا إلى يومنا»، ويشير إلى أن بعض المهاجرين رجع إلى المنطقة، أما أغلب المهاجرين فقد استقروا في المناطق التي هاجروا إليها .

ومن الأحداث الشخصية للمدون سعيد بن شنون تأريخه لوفاة زوجته حسينة بنت علي بن مبارك العوفية حيث يقول: «توفت الأهل حسينة بنت علي بن مبارك العوفية صباح 26 رجب سنة 1279. الحمد لله الذي…. على حكمه….لا … لـ ..ولا زوال». (لوحة: 4)

هنا يشير المدون سعيد بن شنون إلى حادثة خاصة به أراد تأريخها وهي وفاة زوجته بتاريخ 26 رجب 1279هـ الموافق 17 يناير1863م  ويلاحظ من انتظام الخط أن نسق الخطوط التي كتبها في سنة 1271هـ كانت أكثر انتظامًا ووضوحًا من الخط الذي كتبه سنة 1279هـ.

 

يبدو أن سعيد بن شنون لم يدون فقط الأحداث التاريخية والاجتماعية بل كان مهتمًا بتدوين شعر الحكمة، حيث أفرغ مكانًا لتدوين الأشعار والحكم، والعجيب أن هذا المكان يرتفع عن سطح الأرض بما يقرب من أربعة أمتار ولعله كانت هنالك صخرة أو شجرة يقف عليها للكتابة. (لوحة: 5)

 

ويقع بجانب هذا النص نص شعري آخر كتبه المدون سعيد بن شنون سنة 1273هـ، وهذا البيت للشاعر لأحمد بن سعيد الستالي (ق6هـ) (لوحة: 6) حيث يقول:

وضمّنَّ أردانهن الدماليج    حليًا وأذيالهن البرينا ([4])

 

واستخدم المدون سعيد بن شنون طريقة النقر للكاتبة على الصخور، حيث دأب الناس في تلك الفترة على استخدام أداة يقال لها( قلم القلع)، وهي أداة حديدية شديدة الصلابة مدببة من الأعلى يحملها المدونون على الصخور دائمًا معهم .

وهنالك كتابات أخرى كثيرة في المواقع التي كتب فيها المدون سعيد بن شنون عالجت نفس القضايا التي تطرق اليها، لكن تجنبنا الحاقها بكتاباته هنا لأنها لا تحمل توقيعه،  إذ دأب سعيد بن شنون على توقيع كتابته بلفظة «العبد» ويتبعها باسمه الأول أو اسمه الثنائي «سعيد بن شنون» أو مع القبيلة  «سعيد بن شنون العوفي»، وبالقرب من كتاباته توجد كتابة مهمة لا تحمل توقيعًا، تشير إلى وصول السلطان سعيد بن سلطان إلى بندر عباس بعد وفاة واليه سيف بن نبهان بن سيف المعولي وهجوم العجم على البندر ([5]) (لوحة: 7) لكن هذه الكتابة لم تحمل توقيعه لذلك لم ننسبها إليه. ويبدو أن وفرة كتابات المدون سعيد بن شنون كانت بين سنتي 1271 إلى  1285هـ.

 

خاتمة:

كان سعيد بن شنون أحد الكتاب المدونين على الصخور وكان يمارس أسلوبًا قديمًا في  التوثيق يشبه عمل الصحفي، أو ما نشاهده اليوم من وسائل التواصل النشر.

إن التدوينات الصخرية لا تقل أهمية عن التدوينات المخطوطة على الورق، بل كل منها مكمل للآخر .

([1]) الكتابات الصخرية في وادي بني خروص. حارث بن سيف الخروصي. مجلة الذاكرة/ العدد (1): 82.

([2]) انظر: نسخة فلج العوابي (نسخة مصورة في دار المخطوطات – وزارة التراث والثقافة).

([3]) الهجرات العمانية إلى الهند .. التاريخ المدون على الصخور. حارث بن سيف الخروصي، جريدة الوطن، 11 أكتوبر 2015م.

([4]) ديوان الستالي: 415. وزارة التراث والثقافة. الطبعة الثانية 1426هـ/ 2005م.

([5]) انظر: حارث الخروصي، المصدر السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *