سوني التاريخية .. جدلية التسمية

خالد بن محمد الرحبي

سوني اسم منطقة عمانية كانت مسرحًا لأحداث تاريخية جليلة، أوردتها المصادر العمانية وتناقلتها ألسن الناس، وكانت محل خلاف في أصلها اللغوي ومكانها الجغرافي، فمن حيث الأصل اللغوي قيل بأن سوني مشتقة من المصدر سَنِيَ بمعنى ارتفع[1]، ومن الاشتقاقات القريبة منها أسوان في صعيد مصر وجبل سونيا في العراق[2]، وقيل: إن السواني هي الأراضي دائمة الزراعة بخلاف العوابي التي تزرع موسميًا[3].

وقد ارتبط هذا المسمى عند عدد من الباحثين العمانيين وغير العمانيين ممن اشتغلوا بتحقيق الكتب العمانية بولاية العوابي الحالية، فأخذوا يوضحون في الحواشي أينما وردت كلمة سوني بأن المراد بها هي العوابي الحالية، فهل كل الأحداث التاريخية التي ارتبطت بذكر سوني وقعت في العوابي الحالية؟، هذا ما نحاول الكشف عنه في هذا المقال وذلك من خلال استعراض بعض النصوص التي ورد بها ذكر سوني، من أجل بيان المراد بسوني التاريخية، وسنقف عند ثلاثة أنواع من النصوص من أجل تسهيل تتبعها:

أولا: نصوص تدل على أن المقصود بها (علاية الرستاق) وذلك إما نصًا أو بقرائن دالة

ثانيا: نصوص تدل على أن المقصود بها (العوابي) الحالية

ثالثا: نصوص لا قرائن فيها تشير إلى الموضع المقصود من التسمية

كما سنستعرض آراء بعض المؤرخين العمانيين المعاصرين في توضيح المقصود بسوني، فتعالوا بنا نستعرض هذه النصوص لنصل إلى حقيقة سوني التاريخية.

أولا: نصوص تدل على أن المقصود بها (علاية الرستاق) نصًا أو بقرائن دالة :

تورد مصادر التاريخ العماني مسمى سوني للدلالة على العلاية في مدينة الرستاق، وربما نطاق المسمى يشمل أكبر من الرقعة الحالية التي تشملها علاية الرستاق حاليا كما تشير النصوص التالية:

  • نص عن أبي المؤثر الصلت بن خميس(ق3هـ/9م):

من أقدم النصوص التي ورد فيها مسمى سوني نص عن أبي المؤثر الصلت بن خميس(ق3هـ/9م) في السيرة المعروفة بـ(الأحداث والصفات) إذ جاء ذكرها في مجمل حديثه عن الصراع بين الإمام راشد بن بن النظر وشاذان بن الصلت بن مالك الخروصي، حيث قال عن جيش الإمام راشد: «… فساروا حتى نزلوا قرية يقال لها عِيني، وأقبل شاذان بمن معه من وادي عمق متجردًا يريد فيما قيل قرية يقال لها سوني قريباً من عِيني، فلما كان بين القريتين – حدثنا بذلك الثقة – وثب عليه أصحاب راشد بلا حجة ولا مناظرة»[4]، ويلاحظ من نص أبي المؤثر التقارب المكاني بين عيني وسوني، فقوله:« فلما كان بين القريتين» يظهر منه تقارب المنطقتين كثيرًا، وما يؤكد ذلك قوله: «وثب عليه أصحاب راشد» إذ كان بينهما كما يبدو من العبارة خط تماس تم تجاوزه بالوثبة المشار إليها، وعِيني معروفة حتى اليوم بأنها في الرستاق (وهي البلدة التي تقع بها عين الكسفة)، وعلى هذا يستبعد أن يكون المراد بسوني في النص العوابي الحالية، إذ بينهما مسافة تحتاج من الجيش للسير ساعات للوصول إلى عيني وهو ما يتنافى مع وصف أحداث المعركة في النص، ويؤكد سياق حديث أبي المؤثر في الحادثة ذاتها أن سوني التي حدثت بها الواقعة تقع داخل الرستاق، ذلك لأن الطريق الذي قدم منه جيش شاذان هو وادي السحتن أو أحد فروعه، الذي أسماه في النص وادي عَمْق[5]، حيث ذكر لاحقا في الصفحة ذاتها حدوث موقعة أخرى “في موضع يقال له الطباقة[6] من أسفل وادي عمق”[7]، لذلك يبدو أن المقصود بسوني في نص أبي المؤثر علاية الرستاق التي هي قريبة جدًا من عِيني.

  • نص العوتبي في الأنساب:

جاء عند العوتبي (ق5هـ/11م) في كتاب الأنساب عند ذكر قبيلة كندة وانتشارها بعمان “فأما بنو حاضر بن سعد فهم بنو كاوس بن حاضر، وهم أهل سوني وعيني من رستاق اليحمد[8]، وهنا ورد ذكر سوني وعِيني مرة أخرى متلازمتين مقرونتين بتعريف صريح بأنهما تقعان في “رستاق اليحمد“.

  • وصية المخدوم الأعظم سلطان بن مسعود بن سلطان بن عدي بن شاذان[9]:

جاء في وصية المخدوم الأعظم سلطان بن مسعود بن سلطان بن عدي بن شاذان، وهي بخط الشيخ محمد بن عبدالسلام(نهاية ق9هـ وبداية ق10هـ)، معروضة على العالم أحمد بن مداد(من علماء الثلث الأوسط من ق10هـ) النص التالي: «أوصى لفقراء سوني وعيني بثلاثين ألف دينار وتفرق عليهم(لا يثبت)، وأوصى لفقراء المربا بخمسة آلاف دينار(لا يثبت)، ولفقراء القلعة بخمسة آلف دينار(لا يثبت)، ولفقراء وبل بعشرين ألف دينار(لا يثبت)، ولفقراء مناقي بخمسة آلف دينار (لا يثبت)».[10] والملاحظ هنا التسلسل في ذكر مناطق الرستاق من سوني وعيني مرورا بالقلعة والمربا ووبِل ومناقي، الأمر الذي يرجِّح أن المراد هنا هي علاية الرستاق إذ لم يخرج في تسلسله هذا عن مناطق الرستاق ولم يتجاوزها إلى غيرها، وقد ذكرها ملازمة لعِيني قبل ذكر باقي مناطق الرستاق الأخرى نظرا لقرب المنطقتين من بعضهما.

  • نص في خاتمة أرجوزة الكافية[11]:

جاء في خاتمة أرجوزة الكافية التي كان تمام نسخها عام 805هـ: “كان النسخ في قرية سوني من قرى الرستاق حرسها الله من أهل الظلم[12]، ويلاحظ هنا أن ذكر سوني جاء مقترنًا بالرستاق الأمر الذي يشير أيضا إلى أن المقصود بسوني هنا بلدة من بلدان الرستاق.

  • نص منقول عن القاضي ابن عبيدان[13]:

نقل مؤلفو كتاب “ملامح من تاريخ العوابي عبر العصور” عن القاضي ابن عبيدان أنه كتب: “… مات جدي]…ـــــاد[ بن أحمد بن راشد بن عمر بن راشد بن أبي بكر بقرية سوني الرستاق يوم السبت لست ليال إن بقين من شهر جمادى الآخر من شهور سنة 892هـ[14]، إلا أنه من الصعب القبول بأن النص لابن عبيدان المتوفى عام 1104هـ، وذلك للبعد الزمني الكبير بينهما والذي يقدر بحوالي 212سنة، إلا أن هناك دليلًا يمكن الاستناد إليه في ترجيح الشخصية المقصودة في النص[15]، وهو عبارة عن نص للشيخ عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي(ق10ه) أرخ فيه تاريخ وفاة والده: «مات الوالد الفقيه التقي الرضي عمر بن زياد بن أحمد بن راشد…ليلة الثلاثاء، قبل طلوع الفجر بقليل لثمان بقين من شهر شعبان، من شهور سنة خمسين وتسعمائة هجرية..»[16]، ويلاحظ من هذا النص أمران مهمان:

1-  تطابق الأسماء الواردة في سلسلة النسب في النص الأول مع نسب عبدالله بن عمر، مع ترجيح أن تكون الكلمة غير المقروءة في النص هي: (زياد) فيكون المتوفى: (زياد بن أحمد بن راشد بن عمر بن راشد بن ابي بكر).

2-  التاريخ الذي عاش فيه زياد بن أحمد جد عبدالله بن عمر بن زياد منطقي تمامًا مع تاريخ النص الأول، إذ أن ابنه عمر بن زياد توفي عام950ه، أي بعد 58 سنة من وفاة والده زياد كما ورد في النص الأول، وهي فترة مقبولة منطقيا أن يعيشها الابن بعد وفاة والده.

لذلك يرجح أن يكون النص الأول لعبدالله بن عمر بن زياد أرخ فيه وفاة جده، ثم كتب النص الثاني يؤرخ فيه لوفاة والده، غير أن ما يهمنا أكثر في النص هو ذكر سوني الرستاق في تلك الفترة الزمنية.

  • نص مجموع رقم 4224 بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة:

في المجموع المشار إليه أعلاه، ورد اسم سوني في موضعين، إذ جاء في الخاتمة التي فيها تقييد موضع النسخ: «تم الجزء التاسع والثلاثون من كتاب المصنف في وقت صباح الاثنين لتسع ليال مضت من ربيع الآخر من شهور سنة خمس وسبعين سنة بعد تسعماية سنة هجرية نبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، نسخه لنفسه خلف بن حمد بن غسان بن حمد بن ناصر بن سعيد بن خنبش بن سعيد بن أبي راشد المالكي السحتني الساكن قرية سوني من الرستاق»[17]، كما ذكر في النص الثاني بعد ذكر اسمه: «..السحتني الساكن قرية سوني الرستاق.. وكان تمامه صباح الاثنين ثاني جمادى الأول من شهور سنة خمس وسبعين سنة بعد تسعماية سنة هجرية نبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام»، وفي النصين التصريح بسوني الرستاق.

  • وصية خميس بن سعيد الشقصي (ق11هـ/17م):

جاء في وصية خميس بن سعيد الشقصي عدة إشارات تنص صراحة على أن سوني هي علاية الرستاق، من ذلك قوله: «مسجد الحيل من سوني من الرستاق»[18]، والحيل إحدى المناطق القريبة جدا من علاية الرستاق حتى وقتنا الحالي ولعلها كانت جزء منها في تلك الفترة، كما جاء في الوصية: «من سقي فلج الميسر من سوني من الرستاق»[19]، ومما لا جدال فيه أن فلج الميسر يجري في العلاية بالرستاق وهو أحد أهم أفلاج الرستاق وأكبرها، فهو هنا ينص صراحة على أن سوني هي علاية الرستاق.

  • سيرة المشايخ الرستاقيين إلى المشايخ أهل نزوى:

وهي وثيقة كتبها عدي بن سليمان الذهلي(ت1133ه/1721م) بحضور عدد من مشايخ الرستاق إلى العلماء أهل نزوى يعلمونهم فيها بوفاة الإمام سيف بن سلطان اليعربي(1104-1123ه/1692-1711م) وبيعة ابنه الإمام سلطان بن سيف(1123-1131ه/1711-1719م)، حيث جاء في الوثيقة بعد ذكر عدد من العلماء الحاضرين «… وكثير من العلماء من الرستاق وغيرها، ومن سوني وعيني والغشب وغيرهم…»[20]، ومع وجود إشكالية عبارة «من الرستاق وغيرها» قبل عبارة سوني وعيني والغشب[21]، إلا أن الجمع بين سوني وعيني بإضافة الغشب إليهما فيه إشارة واضحة إلى أن المراد بسوني هنا منطقة من مناطق الرستاق.

  • نسخة (عرضة) فلج الميسر بالرستاق 1219هـ/1804م:

وهي نسخة[22](عرضة) مخطوطة لفلج الميسر بالرستاق، يعود تاريخها إلى شهر صفر سنة 1219هـ/1804م، لناسخ مجهول، وقد تكررت مفردة سوني في هذه العرضة بشكل لافت للنظر، وقد جاءت مقترنة بمفردة أخرى سابقة لها مثل “مسجد جامع سوني“، و”شوى جامع سوني“، عند ذكر أسهم الفلج الموقوفة لجامع سوني وللتنور القريب من الجامع، وبعد مقارنة بعض أسهم المياه الموقوفة المدونة في هذه النسخة والوضع الحالي لقسمة مياه الفلج تبين أن هذه الأسهم موقوفة لجامع العلاية[23] وهو المقصود بجامع سوني، وهو ما يدل على أن المنطقة كانت تسمى سوني حتى ذلك الوقت.

  • آثار الشاعر سعيد بن محمد الخروصي المعروف بالغشري (حي 1165ه/1752م):

تكررت مفردة سوني في آثار الشاعر سعيد بن محمد الخروصي المعروف بالغشري في أكثر من موضع فتأتي أحيانا مقرونة بالقديمة(سوني القديمة) كما تأتي في مواضع أخرى مفردة (سوني) مجردة، إلا أنه أشار في إحدى قصائده إلى أنه سكن سوني الرستاق من دون ذكر القديمة حيث يقول[24]:

إني اصطفيت من المساكن منزلا    من جنبه الشـرقي نهــر جــار

بجـــــــــــــــــــــــواره لله بــيـــــــــــــــــت عـــــــــــامــر     يا حبــذا لك بيتــه مــن جـــار

فالجامع الســـــوني يجري تحتـــــــــــــــه      مــتدفقا نهــر مــن الأنـهـــــــــــار

زهرت به الرستاق يوما مثل ما     زهرت بوكف سمائها المدرار

كما ذكر الشاعر سوني الرستاق عند رثاءه الفقيه خميس بن علي بن محمد بن كهلان المزروعي حيث قال[25]:

فقــــل للمـــــــــــزاريــع الثقــات فـــإننـا     وأنتم على فقداه نمسي ونبكر

بكته بقاع كان مصباح ليلــها     وجامع سوني والعلوم ومعشر

والمزاريع إحدى القبائل التي تسكن علاية الرستاق، التي يعد برج المزارعة أحد معالمها المعروفة حتى اليوم، وقربه مسجد يعرف أيضا بمسجد برج المزارعة.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن ليست كل نصوص الشاعر الغشري التي ذكر بها سوني تدل على أن المراد بها علاية الرستاق، إذ في كثير من الأحيان يذكر سوني وسوني القديمة بشكل يتضح منه أنه يريد العوابي أحيانا، وبشكل لا يتضح المراد بها أحيانا أخرى، وسنذكر كلا منها بتفصيل تحت البند المناسب له.

ثانيا: نصوص تدل على أن المقصود بسوني أنها العوابي:

  • نصوص عن ناصر بن أبي نبهان (ت 1263هـ/1847م):

يأتي ذكر سوني عند ابن ابي نبهان على أنها العوابي، حيث تأتي منفردة مثل: “وجاء هو بنفسه إلى حربي وأنا في بلد سوني، وهي التي تسمى العوابي”[26]، كما تأتي مقترنة بوصف القدم، مثل قوله: “سوني القديمة[27]، وفي ذلك نص صريح من ابن أبي نبهان بأن العوابي تسمى سوني. وجدير بالذكر أن أبا نبهان جاعد بن خميس (ت 1237هـ) قد ذكر مسمى العوابي في رسالته إلى السيد محمد بن الإمام ولم يشر إلى ذكر سوني فيها[28].

  • آثار الشاعر سعيد بن محمد الخروصي المعروف بالغشري (حي 1165ه/1752م):

مما ذكره الغشري عن سوني وله دلالة على أن المراد بها هي العوابي قصيدته التي امتدح بها المناطق التي يسكنها قومه بنو خروص بدءً من وادي بني خروص وصولا إلى سوني(العوابي) حيث قال[29]:

ستالا وعلياء وبلدان بينها       كذلكم سوني وطاب هجيرها

  • التدوينات الصخرية لأهل العوابي:

تشتهر ولاية العوابي بكثرة التدوينات الصخرية التي وثَّق بها المدونون الكثير من الأحداث التي مرت بها الولاية، ومن بين سطور هذه التدوينات جمع مؤلفو كتاب (ملامح من تاريخ العوابي عبر العصور) عددًا من الكتابات التي ذكرت فيها سوني القديمة والتي يراد بها نصًا العوابي، ومنها ما كتبه محمد بن مبارك الخروصي موثقًا قصة استصلاح أرض للزراعة بالقرب من قرية الرجمة التابعة لولاية العوابي «… فوصل إليها النهر المبارك نهر سوني القديمة… وكان ذلك في أول سنة 1147هـ/1734م»[30]، وفي هذا نص آخر صريح بتسمية العوابي بسوني القديمة في تلك الفترة.

  • نسخة (عرضة) فلج العوابي 1252هـ/1836م:

جاء في نسخة فلج العوابي ذكر اسم سوني في أكثر من موضع[31]، إلا أنه يلاحظ في هذه المواضع ذكر اسم الفلج أولا (فلج العوابي) ثم يأتي اسم سوني مقرونا بكلمة (القديمة)، وكأن الكاتب يريد بقوله سوني القديمة توضيحا لكلمة العوابي، وهو دليل آخر على تسمية العوابي بسوني القديمة.

  • نص في خاتمة أحد المجاميع بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي:

جاء في حرد متن هذا المجموع بخط الناسخ مسلم بن محمد بن حمد الفهدي عام 1257هـ:”وكان تمام تحريره بجامع سوني ببلد العوابي”[32].

ثالثا: نصوص لا قرائن فيها تشير إلى الموضع المقصود من التسمية:

ورد اسم سوني في أكثر من موضع في المصادر الفقهية والتاريخية من دون ذكر تفاصيل يمكن الاستدلال بها على المنطقة المشار إليها، ومن هذه النصوص:

  • نص محضر اجتماع سوني:

وهو المحضر الذي جاء فيه تفاصيل الصلح الذي أبرمه الإمام راشد بن سعيد اليحمدي بين علماء المدرستين النزوانية والرستاقية على أن يتوقف السجال الدائر بين المدرستين فيما يتعلق بالقضية محل الخلاف بينهما حول الموقف من موسى بن موسى وراشد بن النظر وما أعقب ذلك من فرقة وخلاف، حيث جاء في هذا المحضر: «وكان ذلك يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقين من شهر شوال سنة 443هـ، وكان ذلك بقرية سوني في المنزل الذي ينزل فيه الإمام راشد بن سعيد نصره الله بالحق ونصر الحق به»[33]، فلم يشر صاحب النص إلى المراد بسوني هنا ولم يذكر تفاصيل أخرى عنها.

  • بيعة الإمام محمد بن خنبش: 556هـ:

جاء في ذكر الأيام الأخيرة من حياة أحمد بن عبدالله الكندي[34]، بأنه «عقد للإمام محمد بن خنبش بسوني هو ومن حضر عنده من جماعة المسلمين، وأقام عنده بسوني ستة أشهر وعَرَضَ له المرض الذي مات فيه، فانحدر إلى أهله بنزوى فلبث عندهم عشرة أيام، ثم توفي وقُبِر بالمَضِّ من سمد نزوى»[35]، وهنا أيضا لم يشر النص إلى المراد بسوني ولم يذكر تفاصيل أخرى عنها.

  • آثار الشاعر سعيد بن محمد الخروصي المعروف بالغشري (حي 1165ه/1752م):

جاءت مفردة سوني القديمة في أكثر من موضع في آثار الشاعر الغشري، حيث جاءت نثرًا كما سبق ذكره في المقامة السونية: “… وطالما استسقينا فلم نسق ديمة، فحينئذ أزمعت الترحال إلى سوني القديمة”[36]، ولم يرد في المقامة تفاصيل أخرى يمكن الاستئناس بها حول المقصود بسوني في نص الغشري هنا، خاصة مع ربط المسمى بوصفها بـ(القديمة)، كما جاءت نظما في قصيدته التي يذكر فيها غارة للبدو على سوني القديمة عام 1165ه[37]، جاء فيها:

أتى سوني القديمة في صباح   قبيل الشمس شر مستطير

من الظفـــــراء أعـــــــــــــــــــــــراب لئام   وإبليــــــــــس يقــــــــــــــودهم الغرور

ولم تشر المصادر العمانية إلى هذه الغزوة، كما لم يذكر الغشري تفاصيل أكثر عن سوني القديمة يمكن الاستدلال بها حول المراد بها.

رابعا: رأي المؤرخين المتأخرين في مسمى سوني:

يرى إبراهيم بن سعيد العبري أن مسمى سوني يجمع المنطقتين، إلا أن الناس تخلوا عن المسمى في إحداهما وبقيت الأخرى تحمله، فيقول: “وقد كانت علاية الرستاق والعوابي تسميان سوني القديمة باسم الجبل المطل عليهما ثم صرفت هذه التسمية إلى العوابي دون علاية الرستاق، وقد خصوا به العوابي القديمة المنفصلة عن مجرى الوادي جهة الشمال[38].

أما السيابي فقد أوجد في كتابه عمان عبر التاريخ مقاربة بين علاية الرستاق والعوابي ليجعلها منطقة واحدة من أجل التوفيق بينها في مصطلح سوني، ثم انفصلت إلى منطقتين، حيث قال موضحا نصّ أبي المؤثر الذي سبق ذكره: ” قلت: هي الآن تعرف بالعوابي، قال هي قريبا من عيني، قلت: نعم هي من الرستاق والعوابي التي هي سوني تبعد عن عيني مرحلة واحدة، ولكنها كانت من أعمال الرستاق حتى العهد الأخير الذي قام فيه الشيخ جاعد بن خميس وآله، وتأثلوا فيها أموالا، وخدموا فلجها حتى قوي واعتدّ،… وأصبحت سوني التي هي العوابي إمارة مستقلة، ولكنها لا تزال تخضع لحاكم الرستاق خضوع الولد لوالده”[39]، وهو رأي لا يتسق مع وصف أبي المؤثر لأحداث المعركة المشار إليها، فبين العوابي الحالية وعيني مسافة بعيدة، والأمر ينطبق أيضًا على تعقيبه على بيعة الإمام محمد بن خنبش حيث قال: وكان العقد على هذا الإمام «بسوني» التي هي العوابي الآن، في علاية الرستاق”[40]، فالملاحظ في رأي الشيخ السيابي محاولته جعل علاية الرستاق والعوابي منطقة جغرافية واحدة تحمل مسمى واحد، الجدير بالذكر أن المسافة بين علاية الرستاق ومدينة العوابي عبر الطريق الجبلي قديما حوالي فرسخين (14 كم تقريبا)[41]. أما مهنا بن خلفان الخروصي فيذكر عن الرستاق بأنها “يحيط بها جنوبا جبل سوني، وتنسب إليه العلاية منها[42]، فعلاية الرستاق: “يقال لها علاية سوني[43]، ، كما ذكر بأن سوني هي العوابي الحالية[44]، ويرى أن مسمى سوني يجمع المنطقتين، وهو رأي موافق لرأي الشيخ العبري السابق.

خاتمة

من ذلك كله نجد أن الإشارات التي وصلتنا حتى الآن تدل على أن تسمية سوني التي يقصد بها علاية الرستاق أقدم من تلك التي تدل على أن سوني هي العوابي، وأن مساحتها الجغرافية أوسع من المساحة التي يشملها مسمى علاية الرستاق الحالية لتقترب جدا من عيني، مع التأكيد على صحة إطلاق تسمية سوني على العوابي لوجود الأدلة التي نصت على ذلك والتي سبق ذكرها، إلا أن تشابه المسمى بين المنطقتين، ووجودهما في منطقة جغرافية متقاربة أدى إلى الخلط بين المنطقتين عند الكثير من الباحثين والمحققين، وعليه فإن الأحداث التي يشار إلى أنها وقعت بسوني تحتاج إلى مزيد من البحث لبيان المكان الذي وقعت فيه بدقة وللتأكد من صحة النسبة إلى علاية الرستاق أو العوابي، كما يجب التنبه عند الوقوف على مسمى سوني في المخطوطات والكتب العمانية والتبين من المراد به إن كان (علاية الرستاق) أو (العوابي) الحالية.

[1] مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط، ط2، المكتبة الإسلامية، مصر،1972م، ص 481 .

[2] لقاء مع الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي، ببيته في ولاية العوابي بتاريخ 15/8/2016م.

[3] مجموعة مؤلفين. معجم المصطلحات الإباضية. سلطنة عمان: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية، 2012م، ج1، ص476.

[4] أبو المؤثر، الصلت بن خميس الخروصي. كتاب الأحداث والصفات. تحقيق جاسم ياسين محمد الدرويش. سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1996م، ص40.

[5] عمق إحدى قرى وادي السحتن بولاية الرستاق.

[6] الطباقة إحدى قرى ولاية الرستاق، تقع على طرف وادي السحتن قبل خروجه من الجبال تجاه مدينة الرستاق.

[7] أبو المؤثر، الأحداث والصفات، ص 40.

[8] العوتبي، سلمة بن مسلم. الأنساب. تحقيق محمد إحسان النص. مسقط: وزارة التراث والثقافة. 2006م، ج1، ص441.

[9] سلطان بن مسعود بن سلطان بن عدي بن شاذان، لم يجد الباحث له ترجمة في المصادر العمانية، إلا أنه يظهر من خلال الوصية بأنه كان حاكما على منطقة من عمان (خلال الفترة بين نهاية القرن التاسع الهجري وبداية العاشر الهجري)، وذلك للمفردات المستخدمة لتفخيمه منها (المخدوم الأعظم) و(مولانا)، إضافة إلى ما ذكر في وصيته من إتلاف أموال في مناطق عدة من عمان(خشي نخيل في فنجا وسمائل) وهي من الأعمال التي تقوم بها عادة الجيوش الكبيرة ويتحمل قادتها مسؤولية ذلك، أضف إلى ذلك وصاياه الكثيرة للقبائل التي يحتمل أنها كانت منضوية تحت حكمه، للمزيد انظر البطاشي، سيف بن حمود. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، سلطنة عمان: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، 2010م، ج2، ص142 وما بعدها، وكذلك ورد ذكره بأنه سلطان نخل، انظر المعولي، محمد بن عامر. قصص وأخبار جرت بعمان، تحقيق د.سعيد بن محمد الهاشمي، الطبعة الثانية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1435هـ/2014م، 195.

[10] الكندي، محمد بن ابراهيم. بيان الشرع. ج61. مسقط: دار المخطوطات. وزارة التراث والثقافة. المخطوط رقم 726، والبطاشي، إتحاف الأعيان، ج2، ص143.

[11] وهي من نظم عبدالله بن موسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالمحمود.

[12] عبدالله بن موسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالمحمود، الكافية. السيب: مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، مخطوط رقم 121.

[13] محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان من علماء ق11هـ، كان قاضيا للإمام سلطان بن سيف اليعربي(1059-1090هـ) وابنه الإمام بلعرب بن سلطان(1090- 1104هـ)، من مؤلفاته جواهر الآثار، وله آثار فقهية كثيرة في كتب التراث افقهي في عمان، انظر البطاشي، الإتحاف، ج3، ص461-465.

[14] الخروصي، صالح بن عامر، وآخرون. ملامح من تاريخ العوابي عبر العصور. مسقط: المطابع العالمية، 2003، ص18.

[15] نبهني الباحث محمد بن عامر العيسري للنص المشار إليه.

[16] البطاشي. إتحاف الأعيان، ج2، ص 367.

[17] مجموع، مخطوط، دار المخطوطات، وزارة التراث والثقافة، مسقط، رقم 4224.

[18] البطاشي. إتحاف الأعيان ، ج3، ص152-153.

[19] البطاشي. إتحاف الأعيان ، ج3، ص152-153.

[20] الكندي، محمد بن إبراهيم. بيان الشرع، ج 68 ، دار المخطوطات، وزار التراث والثقافة، مسقط:  مخطوط رقم2404، نقلا عن البراشدي، موسى بن سالم. الدور السياسي لعلماء عمان خلال الفترة من1034هـ/1624م إلى 1162هـ/1749م، رسالة دكتوراة غير منشورة، كلية الآداب، جامعة السلطان قابوس، 2015م.

  [21]الغشب إحدى قرى ولاية الرستاق.

[22] يقصد بنسخة الفلج في عمان “الكتاب أو السجل الذي الذي تُقَيَّدُ فيه حصص مياه الفلج أو الوقف وانتقال ملكيتها بالبيع أو الإرث أو الهبة أو الوقف، وتعرف في بعض بلدان عمان بالعرضة والجامعة وكتاب الفلج وكلها ذات مدلول واحد” انظر الشيباني، سلطان بن مبارك، ومحمد بن عامر العيسري. نوادر المخطوطات العمانية المحفوظة بدار المخطوطات في وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، 2015م، ص180-181، وانظر أيضا المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، سلطنة عمان: وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه، 2009م، ص 105.

[23] لقاء مع زاهر بن محمد بن خلفان الحراصي، عند محاضرة  فلج الميسر، ولاية الرستاق بتاريخ 15/8/2016م

[24] الغشري، سعيد بن محمد بن راشد. ديوان الغشري، تحقيق ومراجعة سالم بن سعيد الهيملي، ط2، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان: 2017م، ص 231.

[25] الغشري، ديوان الغشري، ص273.

[26] السالمي، عبدالله بن حميد. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. السيب: مكتبة الإمام نور الدين السالمي، جزءان، 2000م، ج2، ص218.

[27] الخروصي، أحمد بن موسى. الآراء الفقهية للشيخ جاعد بن خميس الخروضي من خلال مؤلفات ابنه ناصر بن أبي نبهان، ورقة مقدمة لندوة آفاق حضارية من حياة الشيخ جاعد الخروصي، جامعة السلطان قابوس، غير منشور، 2016م.

[28] الخروصي، مهنا بن خلفان. رسالة الشيخ جاعد بن خميس إلى السيد محمد بن الإمام أحمد بن سعيد، ط1، 2002م، ص13.

[29] الغشري، ديوان الغشري، ص 210.

[30] الخروصي، وآخرون. ملامح من تاريخ العوابي عبر العصور،  ص16.

[31] الخروصي، خالد بن عبدالله (2019). من السجلات النادرة في التوثيق العماني نسخة فلج العوابي، مجلة الذاكرة، العدد2، ص(26-33).

[32] مجموع، مخطوط، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، السيب: رقم 800.

[33] الكندي، محمد بن ابراهيم. بيان الشرع. تحقيق سالم بن حمد الحارثي، سلطنة عمان: د ط، وزارة التراث والثقافة، 1984م، ج4، ص61 ,62، والسعدي. جميل بن خميس. قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة. مسقط: مكتبة الجيل الواعد، 2015م، ج9، ص264، والسالمي، عبدالله بن حميد. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. السيب: مكتبة الإمام نور الدين السالمي، جزآن، 2000م، ج1، ص316.

[34] أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي(ت557هـ/1162م)، من علماء سمد نزوى في القرن السادس الهجري، أحد أقطاب المدرسة الرستاقية، من ابرز مؤلفاته كتاب المصنف.

[35] السالمي، تحفة الأعيان، ج1، ص354.

[36] ابن رزيق، حميد بن محمد. الصحيفة القحطانية. تحقيق محمود بن مبارك السليمي وآخرون. سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، 2009م، ج5. ص44.

[37] الغشري، ديوان الغشري، ص 203.

[38] الحارثي، سالم بن حمد. العقود الفضية في أصول الإباضية. د ن، د ت، الملحق ص 4.

[39] السيابي، سالم بن حمود. عمان عبر التاريخ. مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2001م، ج2، ص148.

[40] السيابي، عمان عبر التاريخ. ج3، ص92.

[41] الباحث  حارث بن سيف الخروصي نقلا عن كبار السن بولاية العوابي.

[42] الخروصي، مهنا بن خلفان. الرستاق على صفحات التاريخ. مطابع النهضة. سلطنة عمان: 2007،، ص6.

[43] الخروصي. الرستاق على صفحات التاريخ، ص54.

[44] لقاء مع الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي، ببيته في ولاية العوابي بتاريخ 15/8/2016م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *