شَواهد القُبور … صُخور ناطقة

بدر بن سيف بن راشد الرَّاجحي

لم أقفْ في المصادر التي اطّلعتُ عليها على أعمال علميَّة تُقعِّد أو تُؤسِّس بشكلٍ مُوسَّع لمجال شواهد القبور في علم الآثارِ، على الأقلّ في العُمانيَّة منها، من حيث التَّعريف بها وأهمِّيتها وخصائصها والأُصول المتَّفق حولها في التَّعامل معها والقواعد والأدوات العلميَّة التي يحتاجها الباحث في دراستها إلى غير ذلك من الموضوعات المتعلِّقة بهذا الجانب من علم الآثار، وغالبُ البُحوث والدراسات المعدَّة في هذا الجانب يَنْصَبُّ الحديثُ فيها حول الشَّواهد المُراد عرضها أو دراستها دون استطرادٍ كما سَلَفَ بيانُه، وفي هذه الكلمات مُحاولةٌ لجمع ما تبعثر هنا وهناك من أفكارٍ ورُؤىً حول هذا الموضوع، دوّنتُها في ضوء ما وقفتُ عليه من شواهد نيابة الحوقين بولاية الرُّسّتاق.

وقد عبَّرَ الإنسانُ القديمُ خِلالَ العُصورِ الماضيَةِ عن مَظَاهِرِ حياتِهِ المُتعدِّدَةِ، وأَحوالِ بِيئَتِهِ وما تحويها، ونشاطِهِ الاقتصاديِّ، وأفكارِهِ، ومُعتقداتِهِ، وأحوالِهِ السِّياسيَّةِ، بالرُّسُوم والنُّقُوشِ والكتابةِ على أسطُحِ الصُّخورِ الصَّماء، والفَخَّار، والجَصّ، والرُّخام، والمعادِن، والأبَواب، وغيرِها، وهذه الرُّسومُ، والكتاباتُ، قد تكونُ:

  1. رُموزًا أو أشكالاً حَيوانيَّةً، أو بَشَرِيَّةً، أو لأدوَاتٍ، أو غيرها، وهذا النَّوعُ عادةً ما يكونُ مُوغِلاً في القِدَمِ، وقد تناوَلَهُ الباحثونَ في عِلمِ الآثارِ ببعضِ الدِّراسات، وخُصِّصت له العديد من البعَثاتِ الأثريَّةِ؛ لِدِراستِه، والتَّنقيبِ حوله، وغالبًا ما تتناولُ هذه الرُّموزُ والأشكالُ مظاهرَ الحياةِ القديمةِ بجميعِ جوانبِها، وهي ليست مَحلّ بحثٍ وتقصٍّ في هذه الكلمات البسيطة؛ نظرًا لما تحتاجُهُ من جُهدٍ مُضاعَفٍ في حصرِها، وإلمامٍ بطريقةِ التَّعامل معها علميًّا.
  2. كتاباتٍ أَثَريَّة مَنقوشَة باللُغةِ العربيَّةِ، وهي تلكَ التي تُنقش أو تُكتب على الصُّخور دون أن تكون على القُبور، وغالبًا ما تَكونُ قد نُقشِت في العُصورِ الإسلاميَّةِ، وتتناوَلُ هي الأُخرى جوانب عديدة من الحياةِ القَديمةِ.
  3. شواهدَ، تُوضعُ على القَبرِ، للتَّعريفِ باسمِ المتوفَّى وتاريخِ وفاتِهِ، وهذه الشَّواهِدُ هي مَحلُّ الحديثِ في هذا المقال.

والشَّواهد جَمْعٌ، مفردُهُ شاهدٌ، وله في الاصطلاحِ معانٍ عديدةٌ، إلا أنَّ المقصود به في هذا المقام أنَّه «حَصاةٌ خَطَّ فيها النَّاقِشُ باللغةِ العربيَّةِ اسمَ المتوفَّى، وشيئًا من المعلوماتِ الأُخرى عنهُ، ووُضعت على قَبرِهِ، بمناسبَةِ وفاتِهِ»، فكلِمَةُ «حصاة» كَما جاءَ في لسانِ العَرَبِ، (مادةُ حَصَي، ج3 ،ص210) مفردٌ، جَمعُها حَصىً، والحَصَى: صِغارُ الْحِجَارَةِ، وتشملُ هذه المفردةُ جميعَ أنواعِ الحَصى الذي يُمكِنُ الكتابةُ أو النَّقشُ عليه، كالحَجَرِ الخامِ، أيًّا كان نوعُهُ أو شكلُهُ أو حجمُهُ، كما يندرِجُ تحتَها أيضًا ألواحُ حجر «الأردواز»، كما سيأتي، ويمكن أن نُدرج تحتها أيضًا شواهد الفخَّار، وما شابهه؛ لأنَّ شكلَهُ النِّهائي وصلابَتَهُ يُشبهانَ الحَجَرَ، وعبارةُ «خَطَّ فيها النَّاقِشُ باللغةِ العربيَّةِ اسمَ المتوفَّى، وشيئًا من المعلوماتِ الأُخرى عنهُ» فيها إخراجٌ للحُرُوف التي كُتبت بغيرِ العَربيَّةِ، وكذلكَ فيها إخراجٌ للرُّموزِ والأشكالِ الأخرى بأنواعِها، وعبارةُ «تُوضَعُ على قَبرِهِ، بمناسبَةِ وفاتِهِ» فيها تمييزٌ للشَّاهِد عن الكتابةِ الأثريَّةِ التي لا تكونُ على قَبرِ المتوفَّى.

وتتخذ الشَّواهدُ أشكالاً وألوانًا مُختلفةً ومتنوِّعةً، ويُمكِنُ تقسيمُها بناءً على عدَّةِ معايير، فمن حيث وُرود التَّاريخِ فيها يُمكِنُ تقسيمُها إلى: شواهِد مُؤرَّخَة، وشواهِد غيرِ مُؤرَّخَةٍ، ومن حيثُ نوع الحَصاةِ المكتوب أو المنقوشِ عليها إلى: شواهِد من حَجَرٍ خامٍ، وشواهد من صلفٍ، وشواهِد من فَخَّار، ومن حيثُ عدد أوجهِ الكتابَةِ عليها إلى: شواهِد مكتوبٌ فيها على وجهٍ واحدٍ، وشواهِد مكتوبٌ فيها على وَجهينِ، وهذه بدورِها تنقسمُ إلى قِسمينِ: شاهدٌ الوجهُ الثَّاني منه تكملةٌ للوجهِ الأوَّلِ، وشاهدٌ الوجهُ الثَّاني منه لمتوفًّى مُغاير للمتوفَّى في الوجهِ الأوَّل، ومن حيث مدى ثُبوتِها في الأرضِ من عَدَمِهِ، إلى: شواهِد مدفون جُزءٌ منها في الأرضِ، ليظهَرَ الجُزءُ المكتوبُ عليه، وشواهد مُنفصلة، موضوعة على الأرضِ ويُمكِنُ نقلُها وتحريكُها، ومن حيث وَزنها إلى: شواهد خفيفة الوَزنِ، وشواهد ثقيلة الوَزنِ تبعًا لحجمها.

وهذه الشَّواهِدُ لها أهمِّيَّةٌ كبيرَةٌ جدًا في تدوينِ مظاهِرِ الحياةِ الاجتماعيَّةِ القديمةِ، فهيَ تُعبِّرُ وتُوثِّقُ ما كانَ عليه النَّاسُ من التَّرابُط بينهم من خِلال قيام النَّاقِش بعملِ شاهدٍ لمتوفًّى تربطُهُ بهِ رابطةٌ نسبيَّةٌ، أو رابطةُ رَحِمٍ، أو صَداقةٍ، أو غيرِ ذَلكِ من الرَّوابِط الاجتماعيَّةِ الوشيجَةِ، كما أنَّها تُوثِّقُ مظاهرَ التَّكافُلِ بين الأفرادِ من خِلالِ عباراتِ التَّرحُّم والدُّعاءِ للمتوفَّى بالمغفرَةِ، أضفْ إلى ذلكَ أنَّ هذه الشَّواهد تُوثِّقُ أيضًا العديدَ من سلاسِلِ نَسَبِ بعضِ العائلاتِ، التي قد تكونُ غيرَ موثَّقَةٍ في أيِّ مصدرٍ آخرَ، كما أنَّهُ يُحدِّدُ أسماءَ أمَّهاتِ بعضِ النُّقَّاشِ اللاتي قد لا نَجِدُ لهنَّ ذِكرًا في سِلسلةِ نَسَبِ تلكَ العائلة، وهي بجانبِ ذلكَ كُلِّهِ سجلٌّ حافلٌ بمعلومات وفيرةٍ وغزيرةٍ عن تواريخ وفياتِ الأهالي، يُمكِنُ الرُّجوعُ إليه للمُساهَمَةِ في كتابةِ شيءٍ من سِيَرِهِم، أو المساهمَةِ في رَبطِ وفياتِهم بمُختلفِ الحوادِثِ السِّياسيَّةِ أو الاجتماعيَّةِ.

ولا تكمُنُ أهمِّيَّةُ الشَّواهد في تدوينِ مَظَاهِرِ الحياةِ الاجتماعيَّةِ فَحَسب، بل تتعدَّى تلكَ الأهمِّيَّة إلى مجالاتِ الحياةِ الأُخرى، يقول د. مُصطفى عبدالله شيحه: «تُعدُّ شواهِدُ القُبورِ ذاتَ أهميَّةٍ كبيرةٍ في عِلم الآثارِ، إذ تتضمَّنُ شواهِدُ القُبورِ الإسلاميَّةِ معلوماتٍ قيِّمةً في الأنسابِ، والأسماءِ، والبُلدانِ، والتَّراكيبِ اللغويَّة، فضلاً عن النُّصوصِ الدِّينيَّةِ الوارِدَةِ عليها، والعباراتِ الدُّعائيَّة، والألقابِ، والأجناسِ، والتَّواريخِ، والواقِعُ أنَّ شواهِدَ القُبورِ الإسلاميَّةِ تبدو أهميَّتها واضحةً جليَّةً فيما يتعلَّقُ بدراسةِ الخطِّ العربيِّ، وأنواعِهِ، وانتشارِهِ، وتطوُّرِهِ في مُختلفِ بُلدانِ العالَمِ الإسلامي، كما أنَّ كثيرًا من شواهِد القُبور الإسلاميَّةِ ضمَّت عناصرَ زخرفيَّة نباتيَّة وهندسيَّة، على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة في الفنِّ الإسلاميِّ، والحقُّ أنَّ دراسةَ شواهِد القُبُورِ الإسلاميَّةِ تُعدُّ من الفُروعِ الصَّعبَةِ في مجال الفنِّ الإسلاميِّ؛ نظرًا لِصُعوبَةِ قِراءَةِ كتاباتِها المحفورَةِ عليها في أحيانٍ كثيرةٍ، ولاختلافِ أُسلوبِ الخَطِّ من نَوعٍ إلى آخَرَ، بل اختلاف أُسلوبِ الخطَّاطِ من واحدٍ لآخَرَ، كما أنَّ التَّعليقَ على كتاباتِها ليس أمرًا سَهلاً، بالإضافةِ إلى استخلاصِ الحقائقِ العلميَّةِ من نُصوصها، والتي تَخدِمُ فُروعَ العِلم الأُخرى»([1]).

وتضيفُ أيضًا د. عزَّة علي عبدالحميد قائلةً: «وتعودُ أهميَّةُ شواهدِ القُبور ككتاباتٍ أثريَّةٍ إلى أنَّها ذات قيمةٍ كبيرةٍ عندَ مُقارنتِها بالمعلوماتِ المُستمدَّةِ من المصادِرِ الأُخرى، إذ قد تضيفُ حقائقَ جديدةً، أو تصحيحَ أخطاء شائعة، أو ترجيحَ بعضِ الآراءِ على غيرِها، وقد تُزوِّدُنا بعضُ الشَّواهِد مثلاً بأسماء مشاهير قد يفيدُنا وُرودُها في تحقيقِ صِحَّتها، وإضافةِ معلوماتٍ مُؤكَدةٍ عن بعضِ الجوانبِ في حياتِها، وتاريخِ وفاتِها، وفضلاً عن ذلكَ تُقدِّمُ لنا الكتاباتُ ثروةً ضخمةً من أسماءِ عامةِ النَّاسِ الذين يندُرُ ذِكرُهم في المؤلفاتِ الأدبيَّة، وقد تُلقي هذه الأسماءُ بعضَ الأضواءِ على التَّنقُّلاتِ والهِجراتِ»([2]).

وعادةً ما تكونُ شواهِدُ القُبورِ عُرضةً لما يُهدِّدُ بقاءها واستمرارَها، وقد أدرَكَ النُّقَّاش فيما يبدو هذهِ المُشكلةَ، وساهموا في وَضْعِ آليةٍ تَحُدُّ من هذه الظَّاهرَةِ، ومن ذلكَ مثلاً: تثبيتُ الشَّاهدِ على القَبرِ بطريقةٍ يَصعُبُ معها انتزاعُهُ من مكانِهِ، ومنها: حِرصُ العديدِ منهُم على أن يضعَ الشَّاهدَ مقلوبًا على وَجهِهِ، بحيثُ يَكون مَخفيًّا، ولا يتمكَّنُ مَن يمرُّ على القَبرِ من مُشاهدتِهِ، وهذا مُتعلِّقٌ فقط بالشَّواهِد غيرِ الثَّابتةِ، ويبدو أنَّ هذه الطُّرُقَ غيرُ كافيةٍ لحفظِ الشَّواهد والعنايةِ بها؛ ولذلكَ يجبُ اتخاذُ ما يكفُلُ بقاءها، كتوعيةِ النَّاسِ بأهميَّتِها، والمُحافظةِ عليها، وعدمِ التَّعرُّضِ لها بالكَسرِ أو التَّشويهِ، والعناية أكثر بوضعِ التَّشريعاتِ القانونيَّةِ اللازمة للحفاظِ على هذا النَّوعِ المهمِّ من الإرثِ الحضاريِّ العُماني.

وإذا جئنا للحديثِ عن عُمومِ شواهدِ نيابةِ الحوقين، كمثالٍ على ما نذكره، وعن مَنهجيَّةِ النَّقشِ عليها نجدُ أنَّ النُّقاشَ لا ينضوونَ تحتَ لواءِ مَنهجٍ واحدٍ من حيث اختيارِ القالبِ وطريقة النَّقْشِ وصياغَةِ النَّصّ، فتجدُ أنَّ القالبَ الذي نُقِشَت عليه تلك الشَّواهدُ ليسَ من نوعٍ واحدٍ، كما أنَّ الطَّريقةَ المتَّبعةَ في النَّقشِ هي الأُخرى ليست على نَمَطٍ واحدٍ، وكذلكَ طريقةُ صياغةِ النَّصِّ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ جدًا؛ نَظَرًا لاختلافِ النُّقَّاشِ وأمكنتِهم وأزمانِهم، إلا أنَّ الذي يُمكِنُ أن يُستثنى من ذلكَ العُموم المنهجيَّة المتَّبَعَةَ في بعضِ شواهدِ المقبرةِ الواحدةِ، أو شواهدِ النَّاقشِ الواحدِ، فيما يتعلَّقُ مثلاً بطريقَةِ صياغَةِ النَّصِّ، إذ يُلاحَظُ مثلاً أنَّ صياغةَ نصِّ بعضِ شواهِدِ المقبرَةِ الواحدةِ قريبةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ من بَعضِها، على الرَّغمِ من اختلافِ النُّقَّاشِ فيها، كما يُلاحظُ أنَّ اختيارَ القالَب، وطريقةَ النَّقشِ والزَّخرفةِ مُوحَّدٌ لدى ذاتِ النَّاقشِ في العديدِ من الشَّواهِد التي يقومُ بِعَمَلِها.

وإذا تعمَّقنا أكثرَ في الحديثِ عن الجوانب الفنِّيَّةِ للشَّاهِدِ في نيابةِ الحوقين نجد أنَّ الخطَّ الشَّائعَ في الشَّواهِدِ هو خَطُّ النَّسخِ؛ نظرًا لما يتميَّزُ به من سُهولةٍ ويُسرٍ في الكتابةِ، وأمَّا نوعُ الحصى المستَعمَلِ في القرنِ الثَّاني عَشر والثَّالِث عَشر الهِجريين فالأغلبُ هو الحَجَرُ الخامُ المتناثِرُ في المقابِرِ والأدويَةِ والجبالِ، وعادةً ما يختارُ النَّاقِش من بينهما حصاةً خفيفةَ الوَزنِ، بها سَطحٌ مُستوٍ؛ لِتَسهُلَ عليه الكتابةُ، ذاتَ لونٍ غامقٍ، لكي يكونَ الخَطُّ واضحًا، وهذا الحجر الخام إمَّا أن يكون سطحه خشنًا، وإمَّا أن يكون أملس.

أمَّا في أواخرِ القرن الثَّالثِ عشر الهِجري وبداية القرنِ الرَّابع عشر الهِجري فقد برز بشكلٍ واضحٍ استعمالُ حجر «الأرْدُواز»، ويسمَّى محليًّا بحجرِ الرَّباب، أو الصِّلف أو الحلحل، وحجرُ الاردواز كما وَرَدَ في «المُعجم الجيولوجي المصور» عبارةٌ عن: «صخرٍ صفائحيٍّ طينيٍّ متحوِّلٍ متورِّقٍ دقيقِ النَّسيجِ أو الحُبيبات، تظهرُ فيه خاصِّيَّةُ [الـ]ـتَّصفُّح، أو [الـ]ـتَّفسُّخِ بشكلٍ جيِّدٍ، وينشأُ صخرُ الإردوازِ من تأثيرِ الضَّغطِ العالي على الرَّواسب الطِّينيَّةِ، كالطِّينِ الصَّفحي، متشكِّلاً منه صفائِحَ يصعُبُ فصلُها، والأردوازُ وإن كانَ من السَّهل تشقُّقُه في طبقاتٍ رقيقةٍ فإنَّ من العسيرِ انشقاقَه في الاتجاهاتِ الأُخرى؛ لأنَّ له انفصامًا واحدًا فقط»([3])، ويُسمَّى هذا الحجرُ أيضًا حجرَ السليت slate stone أو حجر السشست schist stone، وحول وجودِ هذا الحَجَرِ واستعمالاتِهِ في السَّلطنةِ يذكرُ الباحثان حارث الخروصي وناصر الخروصي([4]) بأنَّ هذا الحجرَ جميلٌ للغايةِ، وقد استخدمَ في عُمان منذُ زَمَنٍ طَويلٍ في البناءِ، وتسقيفِ البُيُوتِ، وقناطر الأفلاجِ، ويستخدمُ أيضًا كألواح للتعلّم، وكشواهد للقُبُورِ، ويوجدُ في السَّلطنةِ على شكلِ صفائحَ، مِمَّا يجعلُ عمليةَ استخراجِهِ سهلةٌ، وهو متعدِّدُ الألوانِ بينَ الأحمرِ والأخضرِ والأسودِ والقُرمزي، ويوجدُ هذا النَّوعُ من الصُّخورِ في مُحافظة مَسقط ووادي السَّحتن ووادي بني عوف ووادي بني خروص.

ولم أقفْ على وُجودٍ لهذا النَّوعِ من الحَجَرِ داخلَ نطاقِ حدودِ نيابةِ الحوقين، ويبدو أنَّه كانَ يُجلَبُ من مناطقَ أُخرى خارجَ النِّيابَةِ.

ومن المُلاحظِ أنَّ شواهد حَجَرِ الأردواز هي التي تُزخرفُ غالبًا، نظرًا لما يتمتَّعُ به هذا الحَجَرُ من سُهولةٍ في زخرفته بطريقةٍ رائعةٍ وجميلةٍ، كما أنَّ هذا النَّوعَ من الحَجَرِ يُمكِنُ تشكيلُهُ بأشكالٍ متنوِّعةٍ وأحجامٍ متفاوتةٍ، كالأواني والأدواتِ المنزليَّةِ، ومن المُلاحَظ أيضًا أنَّ شواهِد هذا النَّوع من الحَجَرِ تكونُ عادةً على شكلِ صفائِحَ أو طبقاتٍ ذاتِ سُمكٍ قصيرٍ نسبيًّا، ويبدو أنَّ هذه التَّركيبةَ الطَبَقيَّةَ جعلتهُ أقلَّ قُوَّةً وصلابةً من الحَجَرِ الخامِ، وقد وقفتُ على شواهدَ تطايرت منها الطَّبَقَة الأولى التي نُقِشَ عليها، وظهرت الطَّبقةُ التي تليها، ومن سلبياتِ استخدامِ هذا النَّوعِ من الحَجَرِ في الشَّواهد أنَّ قابليتها للكسرِ أكبرُ من شواهدِ الحَجَرِ الخامِ؛ لأنَّها هشَّةٌ ورقيقةٌ، ولذلكَ حتَّى عُمرُها الافتراضيِّ في تصوري أقصرُ من العُمرِ الافتراضيِّ للحَجَرِ الخامِ.

وأمَّا فيما يتعلَّق بصياغةِ نصِّ الشَّاهدِ فكَما سَبَقَ القولُ لم تكنْ هناكَ صياغةٌ واحدةٌ للنُّقَّاشِ، إلا أنَّ هناكَ صِيَغًا شائعةً، منها على سبيلِ المثالِ لا الحَصرِ:

  1. «هذا قبر … بن/بنت …».
  2. «تاريخ يوم تُوفِّيَ/تُوفِّيت … إلى رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ليلة/ يوم… من شَهر ….، سنة … وَكَتَبَهُ … بيده».
  3. «هذا قبر … بن … تُوفِّيَ ليلة/يوم … من شهر …. سنة …، وَكَتَبَهُ …. بِيَدِهِ».

ومن المُلاحظ أنَّ الصِّيغة الأولى تكتفي بالإشارةِ فقط إلى تحديدِ صاحبِ القبرِ دونَ أيَّة إشارةٍ إلى اسمِ النَّاقشِ، أو تاريخِ الوفاةِ، بينما تكتفي الصِّيغةُ الثَّانيةُ بالإشارةِ إلى اسمِ المتوفَّى وتاريخِ الوفاةِ واسمِ النَّاقشِ، ولا تُصرِّحُ بأنَّ هذا قبر فُلان، كَمَا وَرَدَ في الصِّيغَةِ الأُولى، ولعلَّ ذلكَ من قبيلِ المُسلَّماتِ بأنَّ شاهدَ القبرِ يُوضَعُ على قبرِ ذاتِ المتوفَّى، وليس على قبرٍ لمتوفًّى آخرَ، إلا أنَّ الصِّيغةَ الثَّالثةَ على الرَّغم من أنَّها وَرَدَت في شواهِد أقدم فقد حَوت كُلَّ ما نَقَصَ في الصِّيغيتنِ الأُولى والثَّانيةِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ إيرادَ هذه الصِّيغ ليسَ على سَبيلِ الحَصرِ، فقد تجدُ صيغًا أُخرى غيرَ هذه، كَما قد تَجِدُ إحدى الصِّيَغِ الثَّلاثِ الآنفةِ الذِّكرِ فيها زيادةٌ أو نقصانٌ أو تعديلٌ عمَّا وَرَدَ فيها.

ويُحدِّثنا الباحثان إيروس بلديسيرا وحُميد بن راشد الرَّاجحي([5]) بأنَّ من الطُّرُقِ المتَّبعَةِ في نقشِ هذه الشَّواهدِ طريقة الحزِّ أو الخدش، وهي أن يخدشَ النَّاقشُ سطحَ الحَجَرِ بواسطة أداةٍ ذاتِ طَرَفٍ دقيقٍ حادٍّ، كمسمارٍ أو إزميلٍ صغيرٍ، ويظهرُ النَّقشُ في هذه الحالةِ رقيقًا، وقد يكونُ بأداةٍ ذاتِ إزميلٍ ذي حدٍّ عريضٍ، ويظهرُ النَّقشُ في هذه الحالة عريضًا، ومنها أيضًا طريقة النَّقر أو الطَّرق أو النَّحت.

وإذا جئنا للحديث عن تحديد ضابط الشَّاهد الواحد فإنَّه، في بعضِ الأحيانِ، ترِدُ على حجرِ الشَّاهد الواحِدِ أسماءٌ لأكثر من متوفَّى، سواءً كانَ على وجهٍ واحدٍ أو وجهين، فهل يعتبرُ كُلُّه شاهدًا واحدًا، ويكون له بالتَّالي بطاقة تعريفيَّة واحدة؟ أم أنَّ لكُلِّ متوفَّى بطاقة تعريفيَّة مستقلّة؟ الجوابُ على هذا السُّؤالِ يجرُّنا حتمًا إلى وضعِ ضابطٍ يكونُ هو الفيصل في تحديدِ ضابطِ الشَّاهد الواحد، فإذا حَوى الحجر الواحد اسمًا لمتوفَّى واحد فله بطاقةٌ واحدةٌ، ولا إشكالَ في ذلكَ، وأمَّا إذا حَوى أسماء لأكثر من متوفَّى واحد، ففي هذه الحالة يُعتبرُ كُلُّ واحدٍ منها شاهدًا مُستقلاً بذاتِهِ، سواءً كانت الكتابةُ فيه على وجهينِ، أو وجهٍ واحدٍ، وسواءً كانت لناقشٍ واحدٍ، أو لناقشين اثنين، فكُلُّ متوفَّى يفردُ له بطاقة شاهدٍ مُستقلِّة.

وهذه «بِطاقةٌ نموذجيَّةٌ لشَّاهد» أحسبُ أنَّها تتناسَبُ مع طبيعةِ الشَّواهد التي وقفت عليها، وتجيبُ على العديدِ من التَّساؤلاتِ التي قد تَرِدُ بشأنها، وهذه البطاقةُ تحوي ما يلي:

رقم الشَّاهد: (…-…)، يشيرُ إلى الرَّقمِ الذي خُصِّصَ للشَّاهدِ، ويُشيرُ الرَّقمُ الأوَّلُ منهما إلى رقمِ المقبرة التي عُثِرَ فيها على ذلك الشَّاهد، أمَّا الرَّقم الثَّاني فيُشيرُ إلى رقم الشَّاهد في تلك المقبرةِ، على حسبِ ترتيبهِ الزَّمنيِّ ضمنَ تلكَ المجموعةِ، مثال/ (6-1)، أي الشَّاهد الأوَّل في مجموعة شواهد المقبرة السَّادسة.

التَّاريخ: المقصودُ به تاريخُ وفاةِ الشَّخص المُدوَّن في الشَّاهد، وليس تاريخُ كتابةِ الشَّاهد؛ لأنَّ أغلبَ الشَّواهدِ لا تذكرُ تاريخَ كتابته، ومن الصُّعوبات التي قد تواجهُ الباحثَ في تحديدِ سنةِ الوفاةِ صعوبةُ قراءةِ الشَّاهدِ الذي يحوي صِفرًا في خانةِ الآحادِ أو العشراتِ، فمثلاً عندما يكتبُ النَّاقشُ سنةَ الوفاةِ هكذا «139»، فإنَّه تحتملُ أن تكونَ السَّنةُ 1309هـ أو 1390هـ، وقِسْ على ذلك؛ ولذلك فإنَّ على الباحث حينها أن يستعين بمصادر أُخرى لتحديد التَّاريخ الصَّحيح إن أمكن.

الأبعاد: طول الشَّاهد وعرضه بوحدة السَّنتمتر، ويُلاحظُ أنَّ أغلبَ الشَّواهدِ غيرُ متساويةِ الأضلاعِ، وفي هذه الحالةِ تكونُ الأبعادُ طولاً وعرضًا بينَ أقصى نقطتينِ لهما في الشَّاهدِ.

السُّمك: مقدار سُمكِ الشَّاهد أيضًا بوحدة السَّنتمتر.

عدد الأسطر: وهو عدد أسطرِ النَّصِّ.

نوع الخط: نوع الخطِّ الذي استخدمه النَّاقشُ في الكتابةِ، وغالبًا ما يكونُ خطَّ النَّسخِ، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلكَ.

النَّاقش: اسمُ النَّاقشِ الذي قامَ بالعَمَلِ، ويردُ اسمُهُ عادةً في آخرِ النَّصِّ.

النَّص: مضمونُ ما حواهُ ذلكَ الشَّاهدُ من كتابةٍ، ويمكن للباحث أن يضعه بين علامتي التَّنصيصِ: «…».

مُلاحظات: هذه الخانةُ مُستودعٌ لما يقفُ عليه الباحثُ من مُلاحظاتٍ حولَ الشَّاهد، يضمُّ في أرفُفِهِ تحديد الحالةِ العامَّةِ للشَّاهدِ من حيث سلامتِهِ من الكَسرِ أو الكَشطِ أو ما شابَه ذلك، وكذلكَ تحديد نوعِهِ وإثباتُ وُجودِ الأخطاءِ الإملائيَّةِ فيه في حالِ وُجودِها، وأيَّة معلوماتِ أُخرى لا تتعلَّقُ ببقيَّةِ الخاناتِ.

المصادر: هذه الخانةُ يمكن للباحث أن يُثبت فيها المصادر التي أشارت إلى ذلكَ الشَّاهدِ، أو مصادر المعلوماتِ التي وَرَدَت في خانةِ المُلاحظاتِ.

وهذه البطاقة التَّالية إنموذج عمليٌّ تطبيقيٌّ للبطاقة النَّموذجيَّة السَّابقة، وهي حول شاهدٍ كتبه سلوم بن عُبيد السَّالمي، جدُّ الإمام نور الدِّين السَّالمي، رحمه الله، ينفرد هذا المقال بنشر تفاصيله لأوَّل مرَّة.

 

(1-1)

التَّاريخ: 30 رَجَب 1273هـ الموافق 26 مارس 1857م، الموضوع: تقييدُ تاريخِ وفاةِ مَسعود بن سالِم بن خَلَف الخايفي، الأبعاد: 17سم×15سم، السُّمك: 2سم، عدد الأسطر: 7 أسطر، نوع الخطِّ: النَّسخ، النَّاقش: سلوم بن عُبيد [بن خلفان] السَّالمي، النَّص: «تاريخُ يومَ تُوفِّيَ الوالِدُ مَسعود بن سالِم بن خَلَف الخايفي ليلةَ الجُمُعَةِ، والثَّلاثينَ، من شَهرِ رَجَب، سَنَةَ 73، ومائتين، [وألف]، وَكَتَبَهُ سلوم بن عُبيد السَّالمي بيده، هذا يوم توفِّي الوالد المرحوم … بنت…»، مُلاحظات: الشَّاهدُ بحالةٍ جيِّدةٍ إلا أنَّ كَثْرَةَ السَّحجات عليه أدَّت إلى عدم وضوح بعضِ الكلمات، وقد عُثِر عليه على واحدٍ من ثلاثةِ قُبور مُتلاصِقَةٍ على تلَّةٍ مُرتفعةٍ بمقبرة «البدعة» بالقرب من «المغبَّة» وسط الحوقين، وكأنَّها تشيرُ إلى أنَّ هذهِ القبورَ لأقارب، و«مائتين» وَرَدَت «ميتين»، وأمَّا اسمُ النَّاقِشِ فَوَرَدَ في أصلِ الشَّاهدِ: «سلوم [آخِرِ السَّطرِ الثَّالث] بن سلوم [أوَّل السَّطر الرَّابع] بن عُبيد السَّالمي»، وتكرارُ الاسمُ يُثيرُ شيئًا من الإشكالِ، إذ وَحدةُ اسمِ الأبِ والابنِ غَيرُ شائِعٍ كثيرًا؛ ولِذلكَ فالاحتمالُ واردٌ أن يكونَ النَّاقِشُ قد كَرَّرَ اسمَهُ سهوًا، أو كَرَّرَهُ لإيضاحِهِ أكثَرَ من السَّابِقِ، نتيجةً لكثرة السَّحجات على الشَّاهِد كما سلَفَ، وقد يكونُ الأوَّلُ بتشديد اللام، والثَّاني بتخفيفِها، فيكونُ الاسمُ صحيحًا، لا إشكالَ فيه، وعلى الاحتمالِ الأرجح بأنَّ اسمَ النَّاقِش بدونِ تكرارٍ فإنَّه يكونُ جَدُّ الإمامِ نور الدِّين عبدالله بن حُميد السَّالمي، وهو سلوم بن عُبيد [بن خلفان] السَّالمي، ويُعتبر هذا الشَّاهد نادرًا ونفيسًا يحكي جُزءًا من تاريخ أجداد الإمام السَّالمي، ومن إخوة سلوم هذا راشد بن عُبيد بن خلفان السَّالمي (حيٌّ: 5 جُمادى الآخرة 1241هـ الموافق 15 يناير 1826م)، عثرتُ له على وثيقةٍ بخطِّ يده في هذا التَّاريخ محفوظة في خزانةٍ خاصَّةٍ.

 

([1])  شواهد قبور إسلاميَّة من جبانة صعدة باليمن: د. مُصطفى عبدالله شيحه، ج1، ص11، مطبعة مدبولي، القاهرة، 1408هـ/1988م.

([2])  النُّقوشُ الكتابيَّة بالعمائر الدِّينيَّة والمدنيَّة في العَصرينِ المملوكي والعُثماني: د. عزَّة علي عبدالحميد، ص121، العلم والإيمان للنَّشر والتَّوزيع، مصر، 2008م.

([3])  المُعجم الجيولوجي المصوَّر: مُحمَّد عبدالغني، ج4، ص1807، هيئة المساحة الجيولوجيَّة السُّعوديَّة.

([4])  كُنوز عُمان الجيولوجيَّة:  صفحة 14 وما بعدها.

([5])  الحيملي وكتاباتها: إيروس بلديسيرا وحُميد بن راشد الرَّاجحي،ص21، بحثٌ غيرُ منشورٍ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *