عوامل تلف الأوعية الورقية، المخطوطات نموذجًا

د. خالد بن سليمان بن سالم الخروصي

كان الإنسان في عصوره الأولى يحيا ويموت دون أن يترك أثرًا لما كان يصدر عنه من فعل أو نتاج؛ وذلك لأن البشرية لم يكن لها أن تدون شيئا من علومها وفنونها وآدابها لاعتمادها على الذاكرة الخارجية المتعرضة للخطأ أو النسيان. ويمكن القول بأن التاريخ لم يبدأ إلا بمعرفة الإنسان للكتابة بمراحلها المختلفة؛ من الرموز إلى الأشكال المعبرة عن الأحداث، وصولاً إلى الحروف الحالية. وقد رافق تطور الكتابة تحسين الإنسان لأدواتها؛ فمن الحجارة إلى الأخشاب، فالألواح ثم العظام والطين، إلى القماش والجلد، حتى ورق البردي ثم الورق. ومع وصول صناعة الورق إلى العرب المسلمين نشطت حركة التأليف، وتطورت صناعة المخطوط تطورًا كبيرًا. وتعتبر المخطوطات والوثائق التراث التاريخي والفكري وواحدة من أهم مقتنيات الشعوب والأمم؛ إذ تعتبر الذاكرة الزمنية التي تحفظ حقوقها ومكانتها التاريخية، كما تشكل مصدر فخرها؛ إذ يظهر من خلالها عمقها التاريخي، وهي دليلٌ قاطعٌ على تاريخ تحضرها وشأنها بين الشعوب الأخرى.

 

وتعد الأوعية الورقية من أهم ما خلفته الأجيال السابقة للأجيال الحالية، وتتمثل الأوعية الورقية في الكتب والوثائق. وهناك عوامل متنوعة تهدد هذه الثروة الكبرى مؤدية إلى تلف الأوراق، يمكن إيجازها فيما يأتي:

أولاً: الإنسان: الإنسان نفسه وبلا منازع العدو الأول لأوعية الكتابة بشكل عام والكتاب بشكل خاص؛ بسبب استعماله السيء للكتب وعدم اكتراثه بالمحافظة عليها أو عدم وعيه لأهمية آلية العناية بها. وتتجسد مخاطر الإنسان على أوعية الكتب فيما يأتي:

أ.       تمزيق الأوراق عن طريق التقليب العنيف للصفحات.

ب.      انتقال الحموضة من أيدي الإنسان  إلى الورق.

جـ.      انتقال البقع الملوثة إلى الأوراق من أيدي الإنسان.

د.       انتقال الرطوبة من أيدي الإنسان المبللة بالعرق إلى الأوراق.

هـ.       تكسير زوايا الأوراق عن طريق تحديد الصفحات بثني أطرافها؛ مما يؤدي إلى تكسر ألياف الورق.

و.      عدم حفظ أوعية الكتابة في مكان آمن ملائم.

ز.      استعانة البعض باللّعاب لتبليل اليدين لتسهيل تقليب الورق؛ مما ينتج عن هذه العادة السيئة انتقال الرطوبات من الإنسان إلى الورق مما يتسبب في نشوء الفطريات وانتقال أمراض أخرى في حال إصابة الإنسان بها منه إلى الورق كالبكتيريا وغيرها.

ويؤكد الباحث  Seibert أن الإنسان يعد «في حالات كثيرة أشد تسببًا في الخراب والإتلاف وهناك أشياء ظلت دون أن تمسها يد، فبقيت سليمة طوال قرون ليتم القضاء عليها بعد ذلك خلال عقد واحد من السنين بسبب الطريقة التي تعامل بعها البشر معها»(1). ولكن من المهم أن نعلم بأنه إذا لم تتوفر بيئة الحفظ المناسبة ؛ فإن المواد المحفوظة لا يمكن أن تبقى سليمة لمدة طويلة من الزمن.

ثانيًـا:  العوامل الطبيعية:

  1. الضوء: تكمن خطورة الضوء بشكل عام بشقيه الضوء الطبيعي المتمثل في أشعة الشمس، والضوء الصناعي الناتج عن المصابيح الكهربائية المتنوعة في احتوائه على الأشعة فوق البنفسجية؛ حيث يؤثر على بنية الورق ــ مع مرور الزمن ــ ويفقدها مرونتها؛ مما ينتج عنه اصفرار لون الورق ثم تكسّره، ومما يزيد خطورة الضوء على بنية الورق وجود الأوكسجين وارتفاع درجة الحرارة.

كيفية التغلب على مشكلة الإضاءة: يمكن تجاوز مشكلة الضوء عن طريق تطبيق بعض الإجراءات في مستودعات الحفظ، أهمها:

  • تركيب الستائر المعتمة الخاصة بالمخطوطات والوثائق في مستودعات ودُور العرض الخاصة بالمخطوطات والوثائق؛ حتى لا تنفذ أشعة الشمس المباشرة لها.
  • استعمال مواد ممتصة للرطوبة: مثل مادة (سليكاجل)، وإذا كان مستودع

الحفظ كبيرًا؛ فيجب استعمال أجهزة امتصاص الرطوبة؛ التي تقوم بتحويل الرطوبة إلى ماء؛ وبالتالي يتم تصريفه.

جـ.      استعمال المرشحات الضوئية الماصة للأشعة فوق البنفسجية أو الزجاج المضاد للأشعة فوق البنفسجية، والمرشحات عادة ما تكون عبارة عن ألواح بلاستيكية مرنة تُركّب على فتحات المستودعات مثل نوافذ مستودعات الحفظ؛ حيث تقوم بعزل الأشعة فوق البنفسجية وتسمح بدخول الضوء.  كما توضع هذه المرشحات على خزانات عرض المواد التاريخية؛ لتجنيبها الأشعة الضارة من المصادر المحيطة. ويقوم الزجاج المضاد للأشعة فوق البنفسجية بنفس العملية.

  • استعمال المواد العاكسة للضوء والحرارة: وذلك عن طريق تركيبها في فتحات المستودعات ودُور عرض المواد التاريخية؛ وذلك لعكس أشعة الشمس.
  1. الحرارة: يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في مستودعات الحفظ الخاصة بالمخطوطات والوثائق إلى جفاف المواد الورقية الّذي يعتبر مقدمة لتكسرها ومن ثم تلفها. ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تسريع عملية التحلل المائي للسيليلوز، وخصوصًـا عندما تزيد درجة الحرارة عن (25) درجة مئوية؛ ولذا فإن الدرجة المثالية لحرارة مستودعات الحفظ هي مابين (18-25) درجة مئوية.
  2. الرطوبة: يعاني المخطوط في المناطق الرطبة أكثر من معاناته في المناطق الجافة؛ فإن ارتفاع نسبة الرطوبة يؤدي إلى زيادة زيادة نسبة الماء في الأوراق؛ مما يؤدي إلى إصابتها بالعفونة والفطريات، حيث تتكاثر الآفات الحشرية كالسمك الفضي (الأرضة) وقمل الكتب؛ مما يُـسبب تآكل الأوراق وتلفها؛ لذا تجب المحافظة على نسبة رطوبة مأمونة تتراوح بين (55-65%) في مستودعات الحفظ. والجدير بالذكر هنا، بأن انعدام أو قلة الرطوبة في الجو غير محبذة كذلك؛ لأنها تخفض من مرونة الورق، ومرونة الورق مقاومته للانحناء؛ لذلك يفترض أن لا تقل الرطوبة عن (50%) في مستودعات الحفظ.
  3. الجفاف: تسبب الحرارة العالية فقدان الورق لمرونته بسبب الجفاف؛ لأن (20%) من الوزن الكامل للورقة عبارة عن ماء، والمحتوى المائي هو الذي يؤمن مرونة الورق وعند فقدانه؛ يبدأ الورق بالتشقق والتمزق والتكسر.
  4. بما أن الكثير من الكتب الـمخطوطة والمطبوعات القديمة قد تم تجليدها بالجلود الطبيعية والكتان ، هنا يبرز تساؤل حول قيم الحفظ الخاصة بكل مادة من هذه المواد المختلفة، هل هي قيم واحدة أم مختلفة؟ لحسن الحظ فإن قيم حفظ الجلود والكتان هي نفس قيم حفظ الأوعية الورقية كما يجادل بذلك الدكتور سون جبي بارك Soung Bae Park، الخبير العالمي، رئيس قسم البحث في قسم الحفظ في الأرشيف الوطني الكوري(2) وبذلك فإن البيئة المثالية من حرارة ورطوبة وضوء الخاصة بحفظ الأوعية الورقية هي نفسها الأكثر ملائمة لحفظ الجلود والكتان.

 

ثالثـًـا: العوامل البيولوجية: 

هناك العديد من العوامل البيولوجية التي تهدد الورق؛ بل تصيبه بأضرار فادحة في وقت قصير. فتكوّن البقع التي تكون عادة سوداء أو بنية وصفراء في الورق مردّه إلى الكائنات الدقيقة التي تصيب الورق كالميكروبات والفطريات. كما تصيب الحشرات ــ كالنمل الأبيض، الفئران، ديدان الكتب والخشب والصراصير ــ الأوراق بأضرار جسيمة، وتنشط هذه الكائنات في ظل ارتفاع درجات الرطوبة، كما تؤدي إلى تكوّن الثقوب الدودية، المتفرعة والمستديرة. فإذا لوحظ أن تأكل الكتاب على شكل ديدان أو خرائط فهذا يعني بأن الإصابة ناتجة عن السمك الفضي. وإذا كانت هناك ثقوب فيعني بأن الإصابة ناتجة عن ديدان أو قمل الكتب. أما إذا كان جزء من الكتاب مأكولًا تمامًا فذلك يعني أن الأرضة (النمل الأبيض) هي من قامت بذلك. كما تلتصق الحشرات بالأوراق مُحدثة تلوث الورق؛ وذلك بسبب لُـعاب تلك الحشرات ومستعمرات الفطريات، بالإضافة إلى الصمغ الموجود في الكتب.

 

رابعًـا: العوامل الكيميائية:

تحدث الإصابة الكيميائية بعد أن يتعرض المخطوط للتأثير لمدة (10 ــ 15) سنة متواصلة. وأبرز مثال على أسباب الإصابة الكيميائية هو حفظ المخطوطات بالقرب من دورات المياه؛ وذلك لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وارتفاع درجة الرطوبة في مكان الحفظ؛ مما يؤدي إلى تكون غاز ثاني أكسيد الكبريت الذي يؤثر سلبًـا على المخطوط؛ إذ يعتبر أخطر الغازات على الإطلاق؛ حيث يتحول إلى حمض الكبريتيك؛ الذي يفقد الورق ليونته ومرونته ويعمل على تكسير ألياف السيليلوز وتدميره نهائيـًـا. بالإضافة إلى ذلك؛ تتحول الغازات (كغاز النيتروجين وأكاسيد الكربون) في ظل وجود رطوبة نسبية مرتفعة إلى أحماض تؤثر سلبًا على بنية الورق. كما تُـسبب الأتربة العالقة في الجو ــ التي تمثل عناصر حمضية ومعادن ــ إذا ما تعلقت بسطح الورق تشويه لمظهره، كما أنها قد تتحول إلى أحماض عند وجود نسبة عالية من الرطوبة في الجو.

 

خامسًـا: التقادم الزمني:

يؤدي الحفظ السيء للمخطوطات والكتب وعدم توفر المناخ الملائم للحفظ إلى تعرض المخطوط للتقادم الزمني، وهي نتيجة أسباب داخلية أو خارجية أو متعلقة بالحفظ. والتقادم هو عملية طبيعية فيزيائية وكيميائية وبيولوجية وربما ميكانيكية. ويمكن معرفة إصابة المخطوطات والكتب بأعراض التقادم الزمني عن طريق هشاشة وجفاف الأوراق وضعف في ألياف السيليلوز المكون لها. كذلك تتجه درجة لونها إلى الاصفرار، كما تظهر التشققات والقطوع والتجاعيد أحيانـًا؛ وتظهر علامات تلاشي الأحبار واضمحلالها كجزء من أعراض التقادم، وتتـثـقب الأوراق وتتكسر في النهاية إذا لم يُبادَر إلى معالجتها.

 

سادسًـا: الأكسدة الذاتية:

يمكن أن تتعرض الأوراق لعمليات الأكسدة الذاتية عندما توضع في أماكن مغلقة لا يُهَيأ مناخها أو يسيطر عليه؛ حيث ترتفع درجة الحرارة ويتبعها ارتفاع في درجات الحموضة؛ مما يؤدي إلى تكسرها، بل وتفحمها تمامـًـا في بعض الأحيان.

 

سابعـًـا: عوامل مُـتلفة أخرى:

كما أن هناك عوامل طبيعية أخرى تتسبب في تلف الأوراق مثل: الحرائق والأمطار والبراكين والزلازل، وهناك عوامل بشرية كالفوضى والتخريب التي تنتج عن فقدان الأمن والحروب ؛ حيث تتأثر الأوراق المطبوعة والمخطوطة نتيجة لهذه العوامل.

 

أكثر الإصابات شيوعـًا في السلطنة:

تذكر ستاسي يونا شو Stacey YooNa Choi، مديرة التسويق بشركة بايومست الـمختصة بصناعة أجهزة التعقيم بأنه وبعد اطلاعها على إصابات الكتب المخطوطة والوثائق في السلطنة؛  تبين أن الإصابات الحشرية ثم إصابات الرطوبة هما أكثر الإصابات شيوعًا في السلطنة ؛ مشكلتان بذلك التحدي الأكبر لصيانة الأوعية الورقية وحفظها.(3)

 

الحفظ الوقائي:

يشمل الحفظ الوقائي السيطرة البيئية ومراقبة مناطق التخزين والمعارض، هذا إلى جانب التدريب والتأهيل للمتعاملين مع هذه الثروة بحيث يكونون على إلمام تام بكل عوامل التلف الطبيعية والبشرية مع ضرورة استخدام آليات الحفظ الصحيحة. (4)

 

خاتمة

يتضح مما سبق الإشارة إليه أن هناك أسبابًا متنوعة يتسبب بها الإنسان بشكل عام تؤدي إلى تلف التراث المخطوط المتمثل في الأوعية الورقية التي تعد دليل أصالة أي شعب من الشعوب. فالإنسان مسؤول عن كل ما يقع بالمخطوطات من تلف حتى الإصابات الناتجة عن العوامل الطبيعية والبيولوجية والكيميائية وغيرها يعد الإنسان الـمتسبب بها بشكل غير مباشر؛ وذلك بسبب سوء مكان الحفظ وطريقته، وغياب الفحص الدوري لهذه المواد. ومن الأهمية بمكان التنبه لهذه الـمسببات للمحافظة على هذه المواد المهمة. وفي مقال قادم سنناقش القيم التي ينبغي تطبيقها للمحافظة على هذه الثروة للحيلولة دون وقوعها في دائرة مسببات التلف.

 

 

المصادر والمراجع:

 

(1) آن سيبرتAnn Seibert ، سلسلة مؤتمرات الفرقان، رقم3، صيانة وحفظ المخطوطات الإسلامية، لندن:  (1993) مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ص 297.

 

(2) الدكتور سون جبي بارك Soung Bae Park (مقابلة) سيؤول ، 25 يوليو 2019م.

 

(3)ستاسي يونا شو Stacey YooNa Choi (مقابلة) سيؤول ، 23 يوليو 2019م.

 

(4)إمبارو دي توريس Amparo La Torre ، سلسلة مؤتمرات الفرقان، رقم3، صيانة وحفظ المخطوطات الإسلامية، لندن:  (1993) مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ص ص 323 ــ 324.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *