قراءة في مجموعة وثائقية خاصة  (وثائق راشد بن سليمان البرواني)

 

 يعقوب بن سعيد البرواني

تكمن أهمية الاستعانة بالوثائق ودراستها في رفد باحثي التاريخ بمعلومات دقيقة وجديدة أغلبها لم يتطرق إليها المؤرخون، ففيها معلومات عن الأعلام والجغرافيا، والاقتصاد والسياسة، والاجتماع والأدب، ونشاط السكان والأنساب، ومراحل تطور الكتابة والخطوط، وغير ذلك من المجالات.

ويأتي البحث عن الوثائق وجمعها وتحليلها خطوة أولية لدمجها في الكتابة التاريخية، خاصة في ظل شح المصادر التاريخية وتضارب الروايات الشفهية، وكلما طُعّمت البحوث بمادة الوثائق زادت أهميتها وعلت قيمتها.

كما أن إعادة صياغة محتوى الوثائق والإفادة منه في الأبحاث والدراسات التاريخية يعتبر صنعة علمية فريدة، فمع رفدها البحث بمعلومات جديدة وموثوقة تعد خطوة لحفظ المادة العلمية في الوثيقة بأسلوب سردي يُضمّن كحدث تاريخي، ويجمع شتات المعلومات المتناثرة في الوثائق، بل ويحفظ المادة العلمية في الوثائق في حالة تلف الوثيقة.

وفي هذا المقال سوف نلقي الضوء على أهمية الوثائق في رفد علم التاريخ من خلال دراسة مجموعة وثائقية خاصة تعود إلى راشد بن سليمان البرواني (ق14هـ/ 20م).

مدخل

تعود هذه المجموعة الوثائقية إلى  راشد بن سليمان بن مسعود البرواني (1312هـ – 1878م/ 1391هـ -1971م)، من أعيان بلدة الردة من ولاية المضيبي. كان أبوه وأجداده يسكنون في بلدة سيح العافية من إبرا بشرقية عمان، ثم انتقلوا إلى بلدتي الردة والزاهب من أعمال المضيبي، في دولة السلطان ثويني بن سعيد (1273- 1282هـ / 1856- 1866م) تقريبا، فنشأ راشد بن سليمان في بلدة الردة وعاش فيها، وتوفي سنة 1391هـ.

يبلغ عدد الوثائق في  المجموعة 116 وثيقة، متنوعة بين وثائق الحجج الشرعية من صكوك ووصايا وبين المراسلات، وأقدم وثيقة في المجموعة مؤرخة سنة 1328هـ، وآخر وثيقة مؤرخة سنة 1390هـ، وقد ضمت هذه الوثائق بالإضافة إلى وثائق راشد بن سليمان بن مسعود وثائق أبيه سليمان بن مسعود وعمه علي بن مسعود وابن عمه سلطان بن علي بن مسعود وبعض أفراد أسرته. حالة الوثائق مقبولة، وقد تأثر بعضها بسبب عوادي الزمن وعملية طي الوثائق عبر السنين، ولم يخضع للمعالجة الفنية منها إلا سبع وثائق غُلّفت بالبلاستيك أو ما يسمى بالتغليف الحراري، ولا توجد أية فهرسة للوثائق.

 

أصناف الوثائق في المجموعة:

1- وثائق المراسلات الحكومية:

ضمت الوثائق الحكومية رسائل بين الوالي علي بن زاهر الهنائي والي المضيبي حينذاك وراشد بن سليمان، ففي 17 ذي الحجة 1381هـ أرسل الوالي علي بن زاهر رسالة إلى راشد بن سليمان ليأذن لمعلم القرآن في بلدة الردة أن يسكن فترة القيظ في البستان الموقوف للمدرسة، لأن في ذلك صلاحًا له وتعزيزًا للعلم[1].

وفي 22 ربيع الأول 1382هـ أرسل الوالي علي بن زاهر الهنائي إلى راشد بن سليمان وحمد بن هلال وبرغش بن سلطان وسالم بن حمود رسالة مفادها أنه وصله حمد بن سعود ويذكر أن لطلابه الذين يعلمهم حقًا في مال المدرسة، إذ كلما طالبهم بحقه قالوا لنا حق في المدرسة لم نأخذه، وطالبهم بأن يعطوا الطلاب حقهم ليعطوا المعلم حقه حتى لا يترك التعليم. يقول علي بن زاهر: «… فأقول أيها الجماعة احمدوا الله تعالى على ما منّ به عليكم من النعمة وتسخير هذا المعلم لأولادكم لأنكم تعلمون فضل التعليم، فأعطوا الأولاد مالهم من الحق في مال المدرسة، ويعطى المعلم ماله على الأولاد، ولا تضجروه فإن تضجّر يؤول إلى تركه التعليم، وفي ذلك خسارة كبيرة عليكم»[2].

2- وثائق تشير إلى الهجرة والسفر:

من الدلالات التاريخية في المجموعة الوثائقية تلك الوثائق التي تدل على التملك والسكنى في بلدان أخرى، وأكثرها شيوعا تلك التي تتعلق بإفريقية الشرقية، ومنها وثيقة لسليمان بن مسعود بن راشد البرواني تشير إلى أنه  كان له حق وهو في بندر تابورة  ببر تنجانيقا على سالم بن عمير المعمري، استلمه بعد ذلك من ابنه سعيد بن سالم سنة 1332هـ[3].

ومن الإشارات المهمة في الوثائق للتملك في إفريقية الشرقية ملك مزرعة لبنات عبيد بن مسعود بن راشد البرواني بتاريخ 30 شوال 1368هـ[4].

وفي 17 جمادى الثاني 1388هـ أرسل لابنه مسعود بن راشد رسالة من ويتة بالجزيرة الخضراء من سعيد بن عبدالله بن عامر العزري يقول فيها: «… وبعد: صدّرت لك هذا الكتاب وأنا بويتة مقيّلاً عند الأخ عامر بن نصير وحضر الولد عبيد بن علي بن عبيد البرواني… »، وأخبره بأنه سلّم دراهم مرسولة مع عبيد هذا، ثم أعلمه بأن يسلم على سعيد بن محمد بن سالم الطوقي وخميس بن منصور الخروصي وحمد بن سيف اليعربي وخميس بن سعيد، كما أعلمه بأن عامر بن نصير وراشد بن عامر وعبيد بن علي والأولاد عبدالله وإبراهيم أبناء سعيد بن عبيد يسلمون عليك[5]، والظاهر أن عامر بن نصير المذكور هو سناوي من أهل بلدة سيح العافية.

وله رسائل كثيرة مع حمدون بن خالد البرواني لما كان في زنجبار، وقد كتب رسالة من زنجبار بتاريخ 18 صفر 1374هـ إلى حمدون بن خالد وفي رسالته هذه وغيرها من الرسائل  أطلق على زنجبار «مربع الأدب وولاية العرب».

وأشارت الوثائق إلى أنه كان لمنصور بن ناصر بن مسعود البرواني بستان في إفريقية الشرقية في منطقة تسمى ونكوج كوه، وقد أرسل له ناصر بن سالم بن سيف غلته بتاريخ 30 شوال 1368هـ عبارة عن 6614 شلنجا و21 سنتا.[6]

3- وثائق الأملاك وقسمتها:

تُبرِز بعض الوثائق حركة التملك في البلد، ويوجد الكثير من هذا النوع في المجموعة،  ومنها وثيقة بتاريخ  15 جمادى الأولى سنة 1354هـ  جاء فيها: « معرفة الماء الذي خلفه علي بن مسعود بن راشد البرواني من فلج الزيدي وهو اثنان وسبعون أثرًا ونصف له أصلا بالقطع بتاريخ 15 جمادى الأولى سنة 1354، خرج منه الذي أوقفه الوالد علي لجلبة الفرض وهو 12 أثرا…».[7]

4- وثائق البيع والشراء:

ثمثل وثائق البيع والشراء سجلاً تاريخيًا لعُمان، فهي ترفد الباحثين بأسماء كتّاب الصكوك وأعيان البلد، وتحدد زمان وجودهم وبلدانهم، وتسلط الضوء على العملات المتداولة في ذلك الزمان، وقيمة العقار في تلك الحقبة. ومن نماذج وثائق البيع والشراء في المجموعة وثيقة مؤرخة يوم 15 محرم  1334هـ، وفيها توثيق شراء علي بن مسعود بن راشد البرواني البستان المسمى العاقل من بلدة الردة من محمد بن سالم بن حمود بن سالم البرواني، مع مائه من فلج الردة، وهي بخط عامر بن علي الشيذاني، وشهادة محمد بن سالم بن عامر الطوقي.[8]

وفي المجموعة وثائق بيع لأملاك هذه الأسرة من إبرا، حيث بقيت بعض عوابي بلدة سيح العافية من سقي فلج مجينين إلى سنة 1386هـ لأولاد مسعود بن راشد البرواني، وهي السنة التي وفد فيها سيف بن حمد بن حبيب الرشادي الحارثي إلى خالد بن مهنا البطاشي قاضي إبرا يعلمه بأنه استوجب العوابي التي أمر ببيعها بواسطة راشد بن سليمان البرواني وأن ماجد بن سعيد البرواني يدّعي بأنه أستوجبها كذلك، فأرسل خالد بن مهنا إلى علي بن زاهر بن غصن الهنائي والي المضيبي في 14 ذي القعدة 1386هـ يعلمه بالمشكلة الحاصلة، ويعلمه بأن الأفضل الاستمرار في المناداة حتى يستوجبها من يدفع أكثر لحل المشكلة.[9]

وفي 11 ذي القعدة 1386هـ أرسل أحمد بن خالد بن حمد البرواني إلى راشد بن سليمان يعلمه بأن قيمة عوابيه في فلج مجينين من سيح العافية بسفالة إبرا وجبها سيف بن حمد بن حبيب الرشادي بمائتين وستين قرشا وتفصيل مائها ربعان ونصف من بادة سلام وربع ونصف من بادة حديكة من فلج مجينين.[10]

5- وثائق الوصايا:

تمثل الوصايا مصدرًا مهمًا في رصد التاريخ، ففيها جوانب متعددة منها ما يتعلق بأداء الحج وبالوصية للأقربين والكفارات والوصية لمنفّذ الوصية وللفلاحين، ووصية تفريق الأرز لعامة أهل البلد، كما تظهر في الوصايا النقود المتداولة  في تلك الأزمنة، ومن أمثلة ذلك في مجموعة الوثائق هذه وصية علي بن مسعود بن راشد البرواني، فقد أوصى بأن يحج عنه بخمسمائة قرش فضة، وأوصى لأولاد راشد بن سليمان بـ 250 قرشًا، ولبنات عبيد بن مسعود البرواني بـ 150 قرشًا، ولفقراء الأقربين بـ 40 قرشًا، وأوصى بأن يُصام عنه خمسون شهرًا كل شهر بثلاثة قروش، ولمنفذ الوصية بـ 40 قرشًا، وللفلاحين بـ 17 قرشًا، وأن يفرق عنه 27 جونية أرز.[11]

6- وثائق الأوقاف:

ومن نماذج الأوقاف  وقف أسماء بنت سالم بن راشد البروانية من بلد إبرا،   وذكرت الوثائق تمليك ماء لها في فلج الفرسخي من بلدة المضيبي، عبارة عن  ثمان آثار ونصف، أوصت بأثر منها لأولاد ناصر بن مسعود بن راشد البرواني.

وتكمن الإشارة التاريخية في هذه الوثيقة في وجود حالة من شراء الأملاك من بلدان متعددة، خاصة وأن البعض يتحسب لوجود أي جفاف قد يضرب بلدته، فيكون لديه أملاك في بلدة أخرى تفي بالغرض ريثما يأتي الخصب، والبعض يتملك لتوسيع مصادر الدخل، وتُبرِز الوثيقة طرفًا من التواصل بين بلدتي إبرا والمضيبي، وصنفًا من مصارف الوقف وهو وقف الذرية.  

ومن وثائق وقف الأفلاج وقف علي بن مسعود بن راشد البرواني بتاريخ 16 شوال 1328هـ، وهو وقف نخلتي نغال من الردة لفلج الردة، بخط محمد بن شيخان السالمي وشهادة حمود بن بشير بن مسلم الحبسي.[12]

ففي هذه الوثيقة يظهر نوع آخر من الوقف وهو وقف الأفلاج، وهو يساعد على تعمير الفلج وديمومة جريانه، كما يرد فيه اسما علمين من أعلام بلدة المضيبي، وهما الشاعر محمد بن شيخان السالمي، وحمود بن بشير الحبسي.

كما جاءت بعض الوثائق بأشكال أخرى من الوقف، وهي وقف إصلاح المال، ووقف أكفان المسلمين، ووقف المساجد، ووقف إفطار الصائمين،  وتعود الوثيقة إلى تاريخ 1 محرم 1338هـ، وفيها وقف علي بن مسعود بن راشد البرواني ماله المسمى بوفروض مع مائه من بلد الزيدي من وادي الأثلي، قسم لعمارته وما فضل لأكفان موتى المسلمين وما فضل فللجامع الذي بناه في بلدة الزيدي مع فطرة الصائمين فيه، والوثيقة بخط القاضي أبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين.[13]

والظاهر أن بيان الماء الذي أوقفه من بلدة الزيدي كان 6 آثار ماء أربع منهن من ثالثة ماء الجوابر وأثران من ماء بني سعيد مع جلبة الفروض.[14]

ففي هذه الوثيقة ظهرت مصارف للوقف ونماذج له في المجتمع العماني، كما أشارت إلى اسم الرجل الذي عمّر مسجد الجامع في بلدة الأثلي من أعمال المضيبي، وهي إشارة تاريخية مهمة في تأسيس العمران، كما أن في الوثيقة جانبًا مهمًا وهم تسمية بوادَ (أيام) الأفلاج، والتسمية مهمة لاحتساب دوران الأيام ومعرفة حصص الماء، كما فيها إشارة إلى أن تسميات بوادّ الفلج كانت موجودة سنة 1338هـ.

ومن المجموعة أيضًا وثيقة وقف لعلي بن مسعود بن راشد البرواني، وهو وقف أثر ماء لمسجد الثرى من بلدة المضيبي،  والوثيقة أظهرت أن  قعد الأثر في 1384هـ و1385هـ كان 18 قرشا، وأشارت الوثيقة أنه تم شراء حصر للمسجد بقيمة قرشين بيد حميد بن سعيد بن حامد بتاريخ 17 رجب 1387هـ من أصل 29 قرشا للمسجد[15].

وترفد هذه الوثيقة التاريخ المحلي بإثبات قدم تسمية مسجد الثرى بهذا الاسم ووجود التسمية سنة 1384هـ، خاصة وأنه في هذا العصر بدأت بعض مسميات المساجد تتغير، فتأتي هذه الوثائق لإثبات التسميات القديمة، وربطها بالوقف حتى لا تندثر، كما أشارت وثيقة الوقف هذه إلى الاحتياجات التي كانت تُشترى للمساجد من أموال الوقف كالحصر والبسط.

وتشير بعض الوثائق إلى نوع آخر من الأوقاف وهو الوقف للفقراء، ومنها وثيقة وقف علي بن مسعود بن راشد البرواني  لفقراء البراونة من فلج المضيبي، وأشارت الوثيقة إلى إنفاذه في سنة 1384هـ و1385هـ[16].

ومنها وقف عام للقبيلة، فقد وقف سليمان بن مسعود ست آثار ماء من فلج المضيبي، ثلاث منهن لشراء الكفن والعطر للأموات، وثلاث لفقراء البراونة توزع كالآتي: الثلثان لفقراء البراونة في الردة، والثلث لفقراء البراونة في الدريز وإبرا توزع يوم عرفة[17].

كما أشارت وثيقة أخرى إلى نوعين من الأوقاف، وقف الخدم، ووقف مدارس تعليم القرآن، ففي وثيقة بتاريخ 28 رجب 1338هـ قُيدت بعض أوقاف علي بن مسعود منها أثر ماء من ماء أولاد أحمد لخدمه على دور ثمانية أيام، وأثر ماء للأكفان من ماء أولاد أحمد، وأثر ونصف للمدرسة[18].

وفي وثيقة أخرى تظهر أوقاف المقابر سواء كان سبلة (مجلس) المقبرة التي بُنيت للاستراحة فيها والصلاة على الميت أيام الحر الشديد والبرد الشديد، ووقف سقوف القبور، وأكفان وحنوط الموتى، ففي 20 شوال 1344هـ أوصى علي بن مسعود بوقف خمس نخلات نغال من بلدة الفتح بالمضيبي تنفذ غلتها لعمارة سبلة المدينة التي بناها في بلد الفتح من أعمال المضيبي، وما فضل من قيمة الغلة يُشترى بها سقوف لتغطية القبور بمقبرة الفتح، وإذا فضل فيُشترى بها أكفان لأموات المسلمين ببلدة الفتح، وجعل أوصياءه سلطان بن علي بن مسعود البرواني ومنصور بن ناصر بن مسعود البرواني ومن بعدهم الثقات من المسلمين[19].

وقد وقف سلطان بن علي من فلج الفرسخي ببلدة المضيبي قضيان أثرين من ماء حسين لأكفان الموتى، ووقف أخوه سليمان بن مسعود قضيان ثلاثة لأكفان الموتى كذلك[20].

7- وثائق الوكالات:

ومن نماذج وثائق الوكالات توكيل عزيزة بنت سليمان بن مسعود البروانية أخاها راشد بن سليمان في بيع نصيبها من أموال سمائل بتاريخ 3 رجب 1354هـ[21].

وكانت لعبدالله محمد بن عبيد أموال في الزيدي وقد أقام في 15 جمادى الأولى 1374هـ مصبح بن شنطوط الغنامي وكيلًا ونائبًا له فيها، وكتب الوكالة صالح بن أحمد بن سعيد الحبسي[22].

وفي 29 محرم 1380هـ وكّل عبدالله بن محمد بن عبيد البرواني ابن عمه راشد بن سليمان في ماله من بلدة البويطن المسمى القبرين، وشهد في الوكالة مسعود بن راشد بن سليمان البرواني وبلعرب بن محمد بن سيف اليعربي.[23]

8- الوثائق العلمية:

وفي وثائق راشد بن سليمان هذه رسالة إلى أبي إسحاق أطفيش ولعلها منه، وفيها ما نصه:« مسألة : إمرأة بعمان ووليها بهذه الإفريقية الشرقية، وقد زوجها رجل بعمان بأمر عامل السلطان رجلا برضاها، وقد وقع هذا العقد بعد موت عامل السلطان ودخل بها فهل التزويج هذا فاسد أو صحيح؟ وإن كان فاسدًا فهل يفرق بينهما بعد الدخول بها؟ والمسألة كائنة … وقد رضي الولي الموجود بإفريقيا بالتزويج، وأتمه بعد الدخول بها».

فأجاب أبو إسحاق: «أما بعد فإن مثل هذه المرأة يصح تزويجها بأمر الولي الذي اعتبر لها متى كان الزوج كفوًا حتى لا يقع عصيان لله حيث أنه قد يترتب على ترك فيمن رغب فيها عصيان لله، فستر المرأة واجب متى حضر الراغب ولو كان وليها غير حاضر، فمتى كان غائبًا فترشيح ولي الأمر وليًا يجعل العقد صحيحًا، أما وقد رضي الولي وسوغ فإن ذلك أجدى لأنه أجاز فعل القائم بالعقد. والله أعلم ، أبو إسحاق»[24].

وقدمت الوثائق أسماء طلبة مدرسة الردة سنة 1380هـ، ففي 13 جمادى الآخر 1380هـ كتب المعلم حمد بن سعود المبالغ التي دفعها راشد بن سليمان للمتعلمين في المدرسة  والجميع 17 طالبًا، سلم كل طالب ثلاثة قروش، ومن الطلاب: أحمد بن محمد، ناصر بن برغش، علي بن حمود، علي بن برغوش، حمد بن عامر الهاشمي، سليمان بن صروخ، خالد بن سعيد، ميا بنت حمود، ريا بنت سعيد، محمد بن حمد بن حميد البرطماني، زاهر بن محمد، الثانية بنت حمود، ثم أعطى المعلم حمد بن سعود عن كل طالب ستة قروش[25].

القيمة التاريخية للمجموعة الوثائقية:

تضيف مجموعة وثائق راشد بن سليمان البرواني للتاريخ العماني بعض الجوانب المتعلقة في التعريف ببعض الأعلام، وفي الأنساب، وفي اللهجات المحلية واللغة، ونمط الكتابة السائد في ذلك الوقت. ونطرح هنا بعض ما يمكن أن تضيفه في المجالات الآتية:

1- الحياة السياسية:

يظهر في بعض الوثائق تفاعل شخوصها مع حرب الجبل الأخضر التي وقعت خلال القرن الماضي، ففي يوم 14 رجب 1377هـ أرسل راشد بن سليمان البرواني رسالة من منطقة بكوبا في تنزانيا إلى ابن أخته حمدون بن خالد بن سعيد البرواني يعلمه بوصول رسالته، وقد عاتب راشد في هذه الرسالة ابن اخته لأنه لم يكتب لقب الإمام في رسالته عندما شرح أوضاع عمان فقال له راشد: «…وذكرت أن الحرب بعمان قائمة بجانب الجبل الأخضر والنصر لطالب ومن معه، ولم تذكر الإمام ولا اسمه، ولا يجوز أن تخفي اسمه، ولا يجوز أن تدعوه باسمه بل يجب عليك أن تذكره وتدعوه باسم الإمام، ولو كان لم يصلح للإمامة ما استخلفه إمامنا رحمه الله محمد بن عبدالله الخليلي، وعهدي بك حريص بدينك، ولا تجعل نفسك مثل هؤلاء الباقين اليوم من الناس الذين يحبون الرشا والخيانة والبغي والفساد، وقد جعل الله يده فوق أيديهم والله لا يحب المفسدين… »[26].

كما حوت الوثائق بعض طرق الحصول على جوازات السفر، ففي 17 شوال 1387هـ أرسل أحمد بن محمد بن عيسى الحارثي إلى مدير دائرة الجوازات بمسقط رسالة يطلب منه إعطاء راشد بن سليمان جواز سفر ليذهب به إلى الحج[27].

وحوت الوثائق أخبار تولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عمان، ففي 23 جمادى الأولى 1390هـ أرسل أحمد بن محمد بن عيسى الحارثي رسالة إلى راشد بن سليمان وجماعته البراونة في بلدتَي الردة والزاهب يخبرهم بتولي السلطان قابوس الحكم في عمان ويحثهم على السمع له والطاعة، وجاء في الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم. من أحمد بن محمد لجناب المشايخ الكرام العزاز الإخوة بل الوالد راشد بن سليمان وإخوته البراونة وأولاده، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ففي صباح هذا اليوم تلقيت خطابًا رسميًا من السيد قابوس قال فيه أنه تولى شؤون السلطنة، وأن والده جلالة السلطان تنحى عن الحكم ولم يكن لديّ علم عن أسباب ذلك. إن لدينا جميعًا السمع والطاعة والامتثال، وحسب أوامر جلالة السلطان الذي ندعو له بالتوفيق والرشد والهداية لما فيه رقي هذه البلاد ورخاء أهلها، فعلى الولاة والقضاة أن يبقوا على أعمالهم، وعلى الشيوخ أن يسيروا سيرهم الأول من حسن الطاعة والامتثال، وجلالته يؤملكم كما ترون بلاغه الرسمي بكل ما يسركم، حقق الله ذلك. والسلام عليكم. حرر في 23 جمادى الأول 1390هـ. محبك أحمد»[28].

2- الحياة الاقتصادية ونشاط السكان:

جاء في بعض الوثائق مصطلح (بريد مسقط) سنة 1354هـ، مما يدل على وجود البريد في تلك الفترة، فقد جاء في وثيقة بتاريخ 24 جمادى الأولى 1354هـ أن راشد بن أحمد بن راشد الحبسي أرسل إلى راشد بن سليمان يعلمه بأن أخاه سنان بن سليمان يرغب في بيع أمواله في الردة والمضيبي لأخيه راشد بن سليمان، وأن يرسل المبلغ عن طريق بريد مسقط أو عن طريق عبدالله بن سليمان الحارثي[29].

كما أشارت الوثائق إلى التقيّد بوضع الطوابع البريدية، ففي 29 ذي الحجة 1354هـ أرسل راشد بن أحمد  إلى راشد بن سليمان رسالة من زنجبار يعلمه بضرورة التقيد بوضع الطوابع حتى لا تتعرقل الرسالة في إدارات بريد مسقط والهند[30].

وأشارت الوثائق إلى العلاقة المتبادلة مع تجار مسقط، ففي 7 رجب 1354هـ أرسل عبدالرسول بن أحمد بن إبراهيم الحيدرأبادي رسالة إلى راشد بن سليمان يعاتبه على انقطاع رسائله ويذكّره بأبيه سليمان بن مسعود الذي كان متواصلًا معه، وأنه يتمنى أن يرسل راشد رسائله إلى زنجبار والبر عن طريقه كما كان يرسلها أبوه سليمان، ويبلغه سلام الأولاد حسن وموسى وداود وإبراهيم[31].

وأشارت أخرى إلى التاجر موسى بن عبدالرحمن، ففي 7 ذي القعدة 1384هـ أرسل عامر بن حمد بن حامد الشيذاني إلى راشد بن سليمان يعلمه بأن يقبض 5000 روبية من موسى بن عبدالرحمن حسن[32] .

وأشارت الوثيقة إلى ميناء محوت، وأنه من الموانيء التي يتعامل معها أهالي المضيبي كونها قريبة منهم، كما أشارت إلى أحد النواخذة من محوت وهو مبارك بن أحمد الحكماني، ففي 7 صفر 1356هـ أرسل راشد بن أحمد رسالة إلى راشد بن سليمان من زنجبار يعلمه بأن أخبار زنجبار طيبة، ويعلمه بكتاب سابق فيه تحويل 200 روبية لشريفة وعزا ابنتي علي بن مسعود، وأنه أرسل أغراضًا في أربعة صناديق وسحارة بيد مبارك بن أحمد الحكماني المعروف بولد دبيلة عبر محوت إلى الردة لبنات علي بن مسعود البرواني، وساعة صغيرة لراشد بن مسعود بن علي[33].

كما أشارت وثيقة أخرى مؤرخة يوم 26 محرم 1356هـ  إلى بعض المنتوجات المصدّرة إلى عمان في تلك الفترة،  ومفادها أن عزا بنت علي مسعود البروانية اشترى لها راشد بن أحمد الحبسي أغراضًا من زنجبار بمائة روبية وحملها عن طريق البحر إلى محوت بعمان، والأغراض شملت سيويا وحلّ سمسم وأقمشة كتينجا ومِصَرًّا وعطرًا، وأغراضًا مثلها لشريفة بنت علي كذلك بقيمة 107 روبيات عن طريق ميناء محوت[34].

[1] رسالة من علي بن زاهر إلى راشد بن سليمان بتاريخ 17 ذي الحجة 1381هـ.

[2] رسالة من الوالي علي زاهر الهنائي تتعلق بمدرسة الردة بالمضيبي بتاريخ 22 ربيع الأول 1382هـ.

[3] وثيقة دين على سالم بن عمير المعمري لسليمان بن مسعود البرواني.

[4] وثيقة استلام راشد بن سليمان البرواني من حمد بن ناجم بن خميس البرواني مبالغ لبنات عبيد بن مسعود بتاريخ 30 شوال 1368هـ.

[5] رسالة من سعيد بن عبدالله العزري إلى مسعود بن راشد البرواني بتاريخ 17 جمادى الثاني 1388هـ.

[6] رسالة من ناصر بن سالم إلى منصور بن ناصر البرواني بتاريخ 30 شوال 1368هـ.

[7] وثيقة حصر مال علي بن مسعود من فلج الزيدي بتاريخ 15 جمادى الأولى سنة 1354هـ.

[8] وثيقة شراء البستان المسمى العاقل من الردة بخط عامر بن علي الشيذاني بتاريخ 15 محرم  1334هـ.

[9] رسالة من خالد بن مهنا البطاشي إلى علي بن زاهر بن غصن الهنائي بتاريخ 14 ذي القعدة 1386هـ.

[10] رسالة من أحمد بن خالد بن حمد البرواني إلى راشد بن سليمان بتاريخ 11 ذي القعدة 1386هـ.

[11] وصية علي بن مسعود.

[12] وثيقة وقف نخلتي نغال من الردة لفلج الردة بتاريخ 16 شوال 1328هـ.

[13] وثيقة وقف مال بوفروض مع مائه من بلد الزيدي من وادي الأثلي، بخط سعود بن حميد بن خليفين بتاريخ 1 محرم 1338هـ.

[14] وثيقة وقف.

[15] وثيقة صرف وقف علي بن مسعود لمسجد الثرى بالمضيبي17 رجب 1387هـ.

[16] وثيقة صرف وقف فقراء البراونة من فلج المضيبي سنة 1384هـ.

[17] رواية علي بن ناصر بن راشد بن سليمان بن مسعود البرواني 10 ذو الحجة 1434هـ الموافق 16/10/2013م.

[18] وثيقة بتاريخ 28 رجب 1338هـ قيدت بعض أوقاف علي بن مسعود لخدمه و للأكفان وللمدرسة.

[19] وثيقة وقف علي بن مسعود ببلدة الفتح من المضيبي بتاريخ 20 شوال 1344هـ.

[20] وقف سلطان بن علي من فلج الفرسخي ببلدة المضيبي.

[21] وكالة عزيزة بنت سليمان لأخيها راشد بن سليمان في بيع نصيبها من أموال سمائل بتاريخ 3 رجب 1354هـ.

[22] وكالة من عبدالله بن محمد بن عبيد في أموال في الزيدي لمصبح الغنانمي بخط  صالح بن أحمد بن سعيد الحبسي 15 جمادى الأولى 1374هـ.

[23] صك وكالة من عبدالله بن محمد بن عبيد البرواني لراشد بن سليمان بتاريخ 29 محرم 1380هـ.

[24] رسالة إلى أبي إسحق أطفيش.

[25] وثيقة تتعلق بمصروفات مدرسة الردة بتاريخ 13 جمادى الآخر 1380هـ.

[26] رسالة راشد بن سليمان إلى حمدون بن خالد البرواني بتاريخ 14 رجب 1377هـ.

[27] رسالة من أحمد بن محمد الحارثي إلى مدير دائرة الجوازات بمسقط بتاريخ 17 شوال 1387هـ.

[28] رسالة من أحمد بن محمد الحارثي  إلى راشد بن سليمان بتاريخ 23 جمادى الأول 1390هـ.

[29] رسالة بتاريخ 24 جمادى الأولى 1354هـ من راشد بن أحمد الحبسي إلى راشد بن سليمان البرواني.

[30] رسالة من راشد بن أحمد الحبسي إلى راشد بن سليمان بتاريخ 29 ذي الحجة 1354هـ.

[31] رسالة من عبدالرسول بن أحمد الحيدرأبادي إلى راشد بن سليمان البرواني بتاريخ 7 رجب 1354هـ.

[32] رسالة من عامر بن حمد بن حامد الشيذاني إلى راشد بن سليمان البرواني بتاريخ 7 ذي القعدة 1384هـ.

[33] رسالة من راشد بن أحمد الحبسي إلى راشد بن سليمان بتاريخ 7 صفر 1356هـ.

[34] وثيقة شراء أغراض لعزا بنت علي مسعود البروانية بتاريخ 26 محرم 1356هـ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *