مغازي الإمام علي الصغرى، قراءة في مخطوطات عُمانية من الأدب الشعبي

مغازي الإمام علي الصغرى

قراءة في مخطوطات عُمانية من الأدب الشعبي

وليد بن سعيد النبهاني

المغازي بين التاريخ والأدب

يشير معنى المغازي لغويًّا إلى مناقب الغزاة ومواضع الغزو أو الغزو نفسه[1]، ويشير معناها الاصطلاحي إلى نمط من التأليف التاريخي عني بحياة الرسول – صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة، وإن كان هناك من يعتبر السيرة والمغازي نمطًا مترادفًا لا فرق بينهما إلا أن هناك من يرى أن المغازي فرع من السيرة النبوية، فهي لم “تهتم إلا بما كان له مساس بتاريخ الرسول العسكري تستقصيه وتمحصه وتميط اللثام عن غامضه”[2]، وهكذا فإن المغازي -تبعًا لهذا الرأي- عنيت فقط بأعمال الرسول الحربية أو الغزوات التي أراد بها تثبيت دعائم دولة الإسلام ودحض مناوئيه.

ونشأت المغازي في المدينة على يد أبناء صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، إذ ينسب إلى أبان بن عثمان بن عفان (ت بين 95-105هـ) الذي كان محدِّثًا تأليفٌ في المغازي، ويرى باحثون أنه لم يكن مؤرخًا بل كان بمثابة مرحلة انتقالية بين دراسة الحديث ودراسة المغازي[3]، بينما يرى بعضهم أن عروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ) هو مؤسس المغازي[4]. وقد تطورت المغازي خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة حتى وصلت إلى ذروة اكتمالها عند محمد بن عمر الواقدي (ت 207 هـ) الذي يعتبر بعضهم مغازيه “أكمل وأتم مصدر محايد -دون تعصب- لتاريخ حياة النبي في المدينة”[5].

لا يعرف إن كان هناك سبب حقيقي من أجله اختص المؤرخون الأوائل في تدوين سيرة النبي بمغازيه عن سيرته إجمالًا، ويظهر أن تدوين سيرة النبي كاملةً ظهرت متأخرة عن المغازي، مع أن المغازي زمنيًّا تشكل المرحلة الأخيرة من حياة النبي. وقد ارتبطت المغازي عند نشأتها بالحديث النبوي وتأثرت بمنهجه، خاصة إذا علمنا أن أوائل مؤرخي المغازي كانوا محدثين[6]، وقد ساد هذا الاتجاه عند مؤرخي المدينة، بينما عرف في العراق – البصرة والكوفة تحديدًا- اتجاه قبلي غلب عليه الطابع القصصي[7]، الذي يدور حول أيام العرب؛ التي هي في طبيعتها كذلك تحكي معارك العرب وحروبهم ولكن في فترة ما قبل الإسلام. ويظهر أثر القصص الشعبي في التدوين التاريخي عند وهب بن منبه (ت 110هـ) الذي لم يؤثر عنه سوى إشارات طفيفة في المغازي، لكنه عرف بتوسعه في رواية التاريخ ليشمل تاريخ الرسالات في كتابه المبتدأ[8]، وقد تأثر محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) بهذا المنهج، وعلى يديه بدأ هيكل تدوين السيرة النبوية يتوسع، فشمل إضافة إلى المغازي: المبتدأ؛ أي تاريخ ما قبل النبوة حتى ولادة الرسول، والمبعث؛ ويعني بداية البعثة في مكة حتى الهجرة إلى المدينة[9]. والأسلوب الذي اتبعه ابن إسحاق في الجمع بين الحديث والقصص حدا بعبد الملك بن هشام (ت 218هـ) إلى تهذيب سيرته ومحاولة إرجاعها إلى أصولها الحديثية[10].

وهكذا ارتبطت المغازي بسيرة النبي ولا سيما حياته في المدينة والغزوات التي كان يغزوها بنفسه أو التي كان يبعث على رأسها أحد صحابته، وإن كانت السيرة النبوية قد لقيت اهتمامًا من العلماء شرحًا ونقدًا وتمحيصًا وتهذيبًا، إلا أن نمطًا آخر من المغازي كان قد بدأ يلقى اهتمامًا من العامة، ويظهر أن رواجه كان ينطلق من المآخذ التي أخذت على بعض كتب السيرة في اعتمادها على القصص الشعبي وقلة الإسناد فيها والإكثار من رواية الشعر الموضوع والمبالغات في الوصف البطولي، وقد نشأت هذه “المغازي الظل” في هذا المناخ، وقد عُرِفت عند بعضهم بسيرة البكري، نسبة إلى مؤلف يدعى أبا الحسن البكري، مثلما أضيفت مؤلفات السيرة النبوية إلى مؤلفيها كسيرة ابن هشام والسيرة الحلبية، حتى صارت عَلَمًا عليهم. ولا يعرف إن كان هذا الرجل شخصية وجدت في التاريخ فعلًا، أو كان أحد القصاص الذين وجدوا في القرن الخامس الهجري، قياسًا إلى رواية يذكرها ابن الجوزي (ت 597هـ) عن قاص من الأشعرية يدعى البكري[11].

ويظهر أن سيرة البكري قد ظهرت قبل القرن الثامن الهجري على الأقل؛ إذ جاء أحدهم بمجلدين منها إلى بعض شيوخ العلم كي يكتبوا فيها أحكامًا، فمر المجلدان على سبعة من كبار علماء الإسلام في ذلك الوقت: ابن تيمية (ت 728هـ) والمزي (ت 742هـ) والبرزالي (ت 739ه) والفخر البعلبكي (732 هـ) وابن القيم (ت 749هـ) وشمس الدين الذهبي (ت 748هـ) وابن المحب (ت 737ه). وقد ذَكرت هذه الأحكام أسماء مؤلفات البكري الواردة في المجلدين وهي: تنقلات الأنوار أو انتقال الأنوار، وحديث السبعة حصون وصاحبها هضام بن جحاف، وحديث شر الدهر، ورأس الغول، وكلندجة، وكتاب حصن الدولاب[12]. ويحكي كتاب تنقلات الأنوار قصة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وبقية هذه المؤلفات تدخل فيما يعرف بمغازي الإمام علي وهو ما سنتاوله بالتفصيل لاحقًا.

وقد وُصِف البكري في هذه الأحكام بالكذب والدجل، وأنه يذكر أماكن وغزوات وأسماء لا وجود لها[13]،  وشُبِّهت مؤلفاته بما نعرفه حاليًا بالقصص الشعبي والسير الشعبية كسير دلهمة (أو ذات الهمة) والبطّال وعنترة وعلي الزئبق وأحمد الدنف[14]، مما يؤكد انتماء مؤلفات البكري إلى الأدب القصصي لا إلى التاريخ. ومن الواضح أن كتب البكري كان لها جمهور عريض وكانت متداولة عند الوراقين ولها شغف خاص عند المراهقين لما فيها من السحر؛ سحر الحكاية وخيالها، إذ وصفها الذهبي من بين “الأخلوقات التي يكتريها صبيان الكتاب ليتمرنوا في القراءة ويطير النوم عنهم لفرط ما فيها من السخف والإفك”[15].

ومثل هذا التعامل مع السير الشعبية باعتبارها أدبًا منفصلا عن العلم الديني والتاريخ وجد قبل ذلك، إذ يقول السموأل بن يحيى المغربي (ت 575هـ) في معرض حديثه عن نشأته العلمية: “فاطلعت على التصانيف المؤلفة في الحكايات والنوادر على اختلاف فنونها، ثم انتقلت عن ذاك إلى محبة الأسمار والخرافات، ثم إلى الدواوين الكبار مثل ديوان أخبار عنترة، وديوان ذو الهمة والبطال، وأخبار الإسكندر ذي القرنين، وأخبار العنقاء، وأخبار المطرف بن لوذان وغير ذلك”[16]. ولكنه مال بعد ذلك إلى كتب التاريخ كتاريخ الطبري ونحوه، لأن الكتب السالفة الذكر اتضح له أنها من تأليفات الوراقين[17]، وهذه الصفة هي نفسها التي أنزلها العلماء على سيرة البكري؛ أي أنها كتب وراقين يكتريها العامة والمراهقون الذين ما زال عقلهم غضًا.

وقد صنفت دراسات أدبية حديثة مغازي الإمام علي من ضمن القصص المدون عن معجزات النبي والمستمدة من أحداث السيرة، ليس بقصد التأكيد على المعجزة بل لتأكيد مكانة علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء من الرسول ومن الإسلام[18]. ويمكن الاستدلال على الأصل الشيعي لمغازي الإمام علي من حضور أبي الحسن البكري -الذي تُنسب إليه أكثر هذه المغازي- في المؤلفات الشيعية، بل واعتباره أحد أعلامها، دون استبعاد الجانب القصصي في مؤلفاته، فعبدالعزيز الطباطبائي في معرض مناقشته ما كتب عن البكري في كتب المحدثين يرى بأنه -أي البكري- كتب بأسلوب قصصي وقلم روائي ولا ينبغي أن ينظر إليه بمنظار المحدث[19].

مغازي الإمام علي ومجموعاتها الخطية والمطبوعة:

يمكن تمييز نوعين من مغازي الإمام علي بحسب أطوالها: النوع الأول هو المغازي الكبرى؛ وينتمي إلى هذا النوع أربع مغازٍ هي: قصة فتوح اليمن الكبرى المعروفة أيضًا باسم غزوة رأس الغول، وغزوة فتح السبعة حصون، والدرة المكللة في فتح مكة المبجلة، وسيرة الأرقط، وهذه الأخيرة هي أطول مغازي الإمام علي الكبرى؛ إذ تصل إحدى نسخها الخطية إلى 12 جزءًا.

أما النوع الثاني وهو مغازي الإمام علي الصغرى فهي كثيرة، ومنها: غزوة العجاج، وقصة بئر ذات العلم، وغزوة الغطريف، وغزوة خزيمة اليماني، وغزوة الملك الكباس، وغزوة العنكبوت، وغزوة رسالة المنايا، وسيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى المقفع بن مرسيع وابنته قطام، وغزوة بئر معونة، وسيرة الإمام علي بن أبي طالب إلى الحصن الأزرق.

وتتوزع مغازي الإمام علي الخطية في مكتبات العالم، ومن أهم المكتبات التي تحوي مجموعات كبيرة منها مكتبة برلين الحكومية بألمانيا، إذ تحتوي على ما يقرب من 47 مخطوط أهمها نسخة فريدة من سيرة الأرقط[20]، ومن المكتبات الألمانية الأخرى مكتبة مركز جوته في جامعة أرفورت والمكتبة الرفاعية بجامعة لايبزج، كما توجد مجموعات خطية في المكتبة الوطنية الفرنسية، ومكتبة الكونجرس، بالإضافة إلى مجموعات خطية أخرى متوزعة في المكتبات العربية ومنها: مكتبة جامعة الملك سعود، ومكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودار الكتب القطرية.

وقد أشار بروكلمان إلى بعض النسخ المطبوعة من مغازي الإمام علي الكبرى والصغرى، وترجع أقدم النسخ المطبوعة -بحسبه- من “الدرة المكللة” إلى عام 1278هـ، وطُبعت طبعات متعددة في القاهرة إما مفردة أو ملحقة بكتب أخرى، كما طبعت فتوح اليمن في القاهرة أيضاً منذ عام 1282هـ، وطبعت في بومباي أيضًا عام 1295هـ[21]. وأعاد خيري عبدالجواد نشر بعض هذه الأعمال المطبوعة سابقًا في كتاب من 3 أجزاء تحت اسم القصص الشعبي، ويتضمن الجزء الثالث مغازي الإمام علي، واحتوى هذا الجزء على جميع المغازي الكبرى التي نشرت في سنوات متفرقة ما عدا سيرة الأرقط التي ما زالت مخطوطة، وتضمن الكتاب نفسه المغازي الصغرى التالية: كتاب غزوة الأحزاب، وغزوة السيسبان، وفتح مدينة تكرين، وقصة فتح مدينة خيبر، وغزوة بئر ذات العلم، وقصة الإمام علي وغطرفة، وحادثة أو حكاية أبي سفيان، وقصة الإمام علي وما جرى له مع الجن. كما تضمن الكتاب قصة خاتم الإمام علي وهي قصة شعرية بأكملها[22].

نماذج من المخطوطات العمانية في مغازي الإمام علي

لم يترك العمانيون مؤلفًا منفردًا في المغازي، ويمكن العثور على مقتطفات من السيرة النبوية في كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان بن سعيد الأزكوي (ق 12هـ) والذي تناول سيرة الرسول من الباب السادس حتى الباب العشرين[23]. وقد سبقه في ذلك محمد بن سعيد القلهاتي (ق 6هـ) في كتابه “الكشف والبيان” الذي تناول في الجزء الثاني منه أبوابًا في السيرة النبوية من الباب السابع حتى الباب الرابع عشر، وقد خصص الباب الثاني عشر منه في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم[24].

أما مخطوطات الأدب الشعبي فنادرة في المكتبات العُمانية، وبالنظر إلى قلة فهارس هذه المكتبات فلا يمكننا الجزم بحجم هذه المخطوطات، وثمة إشارات قليلة يمكن الاستدلال منها على أن الأدب الشعبي المخطوط كان حاضرًا في عُمان، وربما وجد قصّاص يتحلق حولهم الناس في أوقات السمر، يقرأون عليهم شيئًا من الحكايات، ففي مارس 1836 زار الضابط البريطاني ولستد السويق التي كان لواليها السيد هلال بن محمد بن أحمد البوسعيدي قَصّاص يروي حكاياته من كتاب، وعند اطلاع ولستد على الكتاب الذي كان يقرأ منه القَصّاص وجد أن قصته مطابقة لحكاية السندباد البحري الواردة في ألف ليلة وليلة[25].

ومن النماذج التي وصلت إلينا من الأدب الشعبي مخطوط من مكتبة الإمام نور الدين السالمي[26] ويسمى “مسير جميع الملوك والسلاطين”، وتوجد قطعة من الجزء السابع منه تحت رقم ( AS: 041)، وتقع القطعة في 17 ورقة، وهي مجهولة المؤلف والناسخ وتاريخ النسخ، وتتحدث عن حرب الزبرقان بن بدر.

ويمثل المجموع رقم (AS: 080) من مكتبة السالمي أيضًا نموذجًا هامًّا من مخطوطات الأدب الشعبي في عمان، كون ناسخه عمانيًّا ويدعى سعيد بن سليمان بن خلف المعولي، وقد نسخه عام 1264 هجرية. وقد تضمن المخطوط قصة شعبية اسمها «حكاية القاضي مع السارق وما جرى عليه»[27]، وتقع في 22 صفحة، ومطلعها: «قد روت الروات (كذا) في الأخبار ونقلة الأحاديث والآثار وخزانة الآثار والمتصفحين كتب السلاطين في سالف الأعصار والناقلين عن القضات (كذا) المستقيمة في جميع الأمصار ذكروا أن في أيام سلطنة هرون الرشيد العباسي عليه بما يستحق أن في دار السلام قاضيًا عاقلًا أديبًا كاملًا… »، وختامها: «وفي تلك الساعة أحضر ابنته وعقد عليها في الحال وأدخلها عليه وأعطاه ربع ماله والناس يتعجبون من ذاك كيف هذا القاضي ناسب هذا الرجل بغير شيء وهذه حكايت (كذا) القاضي والسارق والدرك على الراوي والحمد لله رب العالمين». وتضمن المجموع نفسه قصصًا من الزهد من ضمنها قصة طائر الرخ، وقصة بلوقيا التي من المحتمل أن تكون مشابهة للقصة الواردة في ألف ليلة وليلة والمسماة حكاية مغامرات حاسب كريم الدين[28]، وقصة أبي شحمة بن عمر بن الخطاب وما جرى عليه، وتقع في 7 صفحات، وحكاية من صفحة واحدة عن امرأة كانت تخدم نساء النبي.

ونقرأ في المخطوط نفسه إحدى مغازي الإمام علي الصغرى  تحت اسم «خبر حنين في سيرة سيد المرسلين»، وتقع في 25 صفحة، وقد أشار الناسخ إلى أن المخطوط الذي نقل منه هذه القصة ناقص قدر 6 ورقات من أوله، ويبدأ: «فقال إبليس لعنه الله حرقها محمد صلى الله عليه وسلم فلما سمعوا كلامه صاحوا صيحة عظيمة قال ثم إن إبليس لعنه الله نادى لا تقعدون عن اللات والعزى والهبل الأعلى…». وينتهي بقوله: «فلاقاه الإمام وقتل عسكره وأخذه أسيرًا وأتا (كذا) به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض (كذا) عليه السلام (كذا) فأسلم وسار في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل المدينة وفرق المال على المسلمون (كذا) بالسوية بعدما أخرج الخمس لله تعالى والحمد لله رب العالمين هذا ما انتهى لنا من غزاة حنين على التمام والكمال وأنا أستغفر الله لي والذي للمؤمنين والمؤمنات».

وتحتفظ وزارة التراث والثقافة بمخطوط نادر من مخطوطات الأدب الشعبي، وهو مخطوط من قصص ألف ليلة وليلة لناسخه خلفان بن علي بن خنفور بن سالم النوفلي الذي نسخه في يوم الأربعاء 4 ذي الحجة 1280هجرية (يوافق على التقريب 11 مايو 1864)[29]، إذ قلما حفظت لنا المخطوطات العُمانية عناية أهل عمان بالتراث السردي العربي وتحديداً هذا الأثر الخالد؛ ألف ليلة وليلة.

وبنظرة على هذا المخطوط المحفوظ برقم 1362 نجد أنه غير مكتمل، فهو يبدأ من “حكاية عمر ابن النعمان مع ولده شركان”، وهي جزء من الليلة الخامسة والأربعين التي تبدأ من نهاية حكاية غانم ابن أيوب المتيم المسلوب وتدخل في بداية حكاية الملك عمر ابن النعمان وابنيه شركان وضوء المكان. وتستمر الحكايات من ألف ليلة وليلة في المخطوط حتى تتوقف عند الليلة السادسة والثمانين، فعند نهاية الصفحة 223 منه نقرأ في آخر سطرين: «وسعى إليها فلما رأته وعرفته ترجلت إليه وعانقته فقرط بيده على أضلاعها حتى كاد أن يقصفها فقالت ما هذا يا…».

ويلاحظ الانقطاع منذا الصفحة التي تليها إذ نقرأ مباشرة في أول سطر: «جامع الكمالات الأنسية حاوي الفضايل القدسية». وباستكمال القراءة نكتشف أننا أمام مخطوط بالغ الغرابة، فعند نهاية الصفحة 224 نطالع حرد المتن الذي استدل الفهرس المذكور منه بيانات الناسخ وتاريخ النسخ على النحو التالي:

« تم الكتاب بعون الله وحسن توفيقه والصلاة والسلام على خير خلقه محمد النبي صلى الله عليه وسلم وكان تمامه يوم الأربعاء وأربع ليال خلت من شهر الحج سنة 1280 على يد العبد الفقير إلى الله تعالى خلفان بن علي بن خنفور بن سالم النوفلي نسخته للأخ الصفي البر الوفي علي بن عبدالله رزقه الله فخر الدنيا وثواب الآخرة والحمد لله رب العالمين آمين».

أما «جامع الكمالات الأنسية حاوي الفضايل القدسية» الذي قرأناه في بداية الصفحة فما هو إلا «مسطر حي مكناطن» وهو “سكرتير الدولة الإنجريزية في الممالك الهندية” كما تعرفه إحدى أقدم النسخ المطبوعة من ألف ليلة وليلة. وهنا مكمن الغرابة، إذ إن هذا المخطوط ليس إلا نسخة من الجزء الأول من ألف ليلة وليلة المطبوع سنة 1839[30] عن نسخة مصرية. أما القسم الثاني من المخطوط فعنون باسم «من كتاب ألف ليلة وليلة»، وهو تجميع لأبيات وردت في ألف ليلة وليلة.

والقسم الثالث من المخطوط عرّفه فهرس مخطوطات الأدب بأنه “كتاب في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لمجهول”[31]، وبمطالعة محتويات هذا “الكتاب” نجد أنه ينتمي إلى مغازي الإمام علي الصغرى، ويحتوي القسم على القصص التالية:

  1. القصة الأولى ناقصة من أولها، وبدايتها: « ونورًا مستبينًا أرسل به نبيكم روحًا أمينًا وبين حلاله وحرامه على لسانه تبيينًا…»، ونهايتها: « وفرح النبي بقدومهم والوصي باجتماع الشمل قال الراوي ويقال إن النبي أولم في ذلك اليوم وليمة ودعا إليها المهاجرين والأنصار فأكلوا وشربوا وحمدوا الله على ما أنعم عليهم وكان ذلك اليوم كأنها (كذا) عيد من الأعياد والحمد لله رب العالمين» وقد أرخ الناسخ زمن نسخه لهذه القصة بقوله: «تمت الحكاية يوم رابع شهر رمضان سنة 1280». ويحتمل أن تكون هذه القصة هي قصة غزوة بدر، قياسًا إلى الأحداث التي تتناولها، وتمتد القصة لحوالي 180 صفحة، وهي أطول قصة في هذا المخطوط من مغازي الإمام علي الصغرى.
  2. قصة الإمام علي بن أبي طالب مع غشام وما جرى له مع الغلام. وأولها: «رواه ابن الحارث البكري قال البكري رضي الله عنه بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة من الغزواة (كذا) فبينما أمير المؤمنين سائرًا في القفار…». وآخرها: «وقسم النبي الباقي على الأنصار والمهاجرين وأعطا (كذا) الأرامل والمساكين وقوى الله المسلمين على الكافرين فهذا ما كان من قصة غشام والإمام بالوفا والتمام والحمد لله رب العالمين». وتمتد القصة في 26 صفحة.
  3. قصة غزوة حُنين مع النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي رضي الله عنه. وقد عنونها الناسخ خطأ هكذا «هذه قصة غزوة خيبر مع النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي رضي الله عنه». لكنه في نهاية القصة عاد ليقول: «وهذا ما انتهى إلينا من خبر غزوة حنين على الوفا والتمام والكمال«. وهي القصة نفسها الواردة في مخطوط مكتبة السالمي تحت رقم (AS: 080) وعنوانها “خبر حنين في سيرة سيد المرسلين”، مع اختلاف في اللفظ أحيانًا، وهو راجع إلى تعدد النسخ في مخطوطات الأدب الشعبي بعامة وعدم وجود نسخة أمٍّ لها لكونها متناقلة عن أصول شفهية. وتقع القصة في 56 صفحة.
  4. قصة خندق المدينة مع عمرو ابن ود العامري والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبدايتها «قيل إنه لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة عامر بن الطفيل مؤيدًا منصورًا مضى عامرًا بجميع القبايل فأتى إلى بني عجلان». ونهايتها «ثم رجعوا إلى المدينة الطيبة الأمينة بالنصر والسكينة والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم فهذا ما انتهى إلينا من خبر خندق المدينة على التمام والكمال». وتقع القصة في 23 صفحة.
  5. قصة غزوة خيبر مع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وتبدأ «ذكر والله أعلم وأحكم وأعز وأكرم وأروف وأرحم فيما مضى وتقدم من أحاديث الأمم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزاة النظير…». وتنتهي «فقال النبي النجم الذي أحرق بلدكم فهو علي بن أبي طالب وأما النجم الذي رايتي له برد فهو أنا محمد رسول الله قال ثم إنهم تركوا في الحصن حاكمًا يحكم فيهم بالحق فهذا ما وجدناه مسطورًا في هذه القصة على التمام والكمال وأنا أستغفر الله من الزيادة والنقصان والغلط والنسيان والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.» وقد أرخ الناسخ تاريخ نسخه لهذه القصة «وكان تمام هذه القصة يوم الاثنين وستة وعشرون ليلة خلت من شهر شوال سنة 1280». تقع القصة في 44 صفحة.
  6. قصة الجلندا بن كركر العماني ملك صحار والغريض والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وتبدأ «ذكر والله أعلم وأعز وأكرم وأروف وأرحم فيما مضى وتقدم من أحاديث الأمم قيل إنه في الزمان وسالف العصر والأوان كان بمدينة صحار من عمان ملك من الملوك وكان كافرًا بالله…» وتنتهي «ثم أتوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قصر الملك فأخذوا الأموال والذخاير والسلاح والكنوز وبنوا فيها مسجدًا وقدم عليهم الكندار وهذا ما كان من أخبارهم وقصتهم على التمام والكمال وهكذا وجدناه مسطورًا والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم». وتقع القصة في 40 صفحة من المخطوط. ويحدد المخطوط أن الجلندا بن كركر المذكور في القصة هو ملك عماني في صحار، وفي مخطوط آخر محفوظ في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (7465) توجد القصة نفسها بلفظ مختلف وعنوانها «غزوة الجرندا بن كركر المدركي بمدينة عمان لعنه الله». وتتردد شخصية الجلند بن كركر نفسها في مواضع أخرى كما في حكاية عجيب وغريب من قصص ألف ليلة وليلة، وتتقاطع القصتان في مواضع عدة، فالملك عجيب يستنجد بالجلند ملك مدينة عمان وبلاد اليمن في حربه على أخيه غريب، وحين يتمكن غريب من أسر الجورقان وهو أحد الفرسان الشجعان يدعوه إلى الإسلام فيقبل الجورقان الدعوة وينضم إلى غريب، وفي حربه الجلند بن كركر يتمكن غريب من أسر الجلند فيدعوه إلى الإسلام لكن هذا يأبى فيلاقي حتفه مصلوبًا على باب المدينة، ويصبح الجورقان حاكمًا على المدينة وتفرق أموال الجلند على الجنود[32]. أما في مغازي الإمام علي فإن وزير الجلندا بن كركر واسمه الكندار يقع في أسر الإمام في أثناء الحرب، فيدعوه إلى الإسلام ويقبل الكندار الدعوة، وبعد هزيمة الجلندا وقتله يأخذ المسلمون غنائم الحرب ويبنون مسجدًا في المدينة ويقدّم الإمامُ الكندارَ عليها. ونعثر في مناقب ابن شهرأشوب (ت 588 هـ) على القصة نفسها ولكن بتفاصيل أقل، وتغيير في الشخصيات، فالكندار اسمه الكندي عند ابن شهرأشوب، وبعد قتل الجلندى بن كركرة (كذا ورد اسمه) يسلم الإمام حصن المدينة إلى الكندي ويزوجه بابنة الجلندى، ويقعد عند أهل المدينة قومًا من المسلمين يعلمونهم الفرائض[33]. ولعل ورود هذا الأصل في أحد أهم المصادر الشيعية ما يشير إلى تأكيد الفرضية التي ذهبت إليها ضياء الكعبي من أن قصة “فتوح اليمن الكبرى” و”غزوة وادي السيسبان” قد تكون من إبداع المتخيل الشيعي[34]، وقد ينسحب هذا الأمر على باقي مغازي الإمام علي كما هي في قصة الجلندا بن كركر.

ويلي هذه القصص الست مواد متفرقة، بدايتها «ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم «خبر عجيب في تفسير قوله تعالى إذ قالت امرأة عمران»، وتختم بـ«خبر جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي ملك الحبشة». ويظهر أن هذه المواد نقولات من مصادر مختلفة في السيرة والتفسير، إذ يكثر فيها الإسناد، بعكس مغازي الإمام علي الصغرى التي يغلب عليها الطابع القصصي، ويكثر فيها الاستشهاد بالشعر الموضوع الذي في أكثره غير موزون كما هو في قصص ألف ليلة وليلة وسائر القصص الشعبي، بالإضافة إلى غياب الإسناد، أو إسناد الروايات إلى شخصيات غير معروفة في التاريخ كأن يقول «قال محمد بن إسحاق الواقدي» أو « قال البكري رحمه الله»  أو «قال أبو إسحاق» أو «رواه ابن الحارث البكري»، وأحيانًا تسكت القصص عن ذكر الرواة، فتكتفي بالقول «قال الراوي» أو «قال الراوي لهذا الخبر» أو «قال صاحب الحديث»أو «قال صاحب الحديث والراوي لهذا الخبر الطريف». والإسناد إلى شخصيات بعينها بحسب تعبير ضياء الكعبي لا يعدو كونه «حيلة سردية يستند إليها النص لتحقيق نسبته في الانتماء إلى الثقافة الدينية العالمة»[35]. وذلك بعكس المقامات التي اكتسبت اعترافًا من قبل هذه “الثقافة العالِمة” كونها دوّنت في كتب ومن قبل كتّاب معترف بهم كالهمذاني والحريري، أما هذه القصص الشعبية فكانت تتداول شفاهة من قبل القُصّاص قبل أن تأخذ طريقها إلى التدوين في عصور لاحقة.

يظهر من هذه النماذج عناية العُمانيين بنسخ القصص الشعبي بعامة ومغازي الإمام علي بخاصة، وفيها احتمال أن العُمانيين أضافوا إلى هذا الأدب قصصًا بأسلوب عُماني متفرِّد كما هو في قصة الجلندا بن كركر. وهذه المخطوطات تحتاج إلى عناية وتنبه، وتستحق أن تفرد لها فهرسة شاملة، وتقارن بغيرها من المخطوطات العربية، وعند فهرستها من الضروري عدم الوقوع في ما وقعت فيه كثير من الفهارس العربية التي اعتبرتها مؤلفات تاريخية، بل تأكيد انتمائها إلى الأدب القصصي العربي.

[1] ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. (2018). لسان العرب. ط 18. بيروت: دار صادر. ج 11. ص 47.

[2] العبيدي، محمد المختار. (1979). “علاقة المغازي بالسير”. حوليات الجامعة التونسية، ع 17، ص 187.

[3] الدوري، عبدالعزيز. (2007). نشأة علم التاريخ عند العرب. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص 19.

[4] المرجع نفسه. ص 20.

[5] الواقدي، محمد بن عمر بن واقد. (1989). كتاب المغازي. تحقيق مارسدن جونس. ط 3. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. ج 1. ص 34 (مقدمة التحقيق).

[6] فوزي، فاروق عمر. (2004). التدوين التاريخي عند المسلمين: مقدمة في دراسة نشأة علم التاريخ وتطوره حتى بداية القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. ط 1. العين: مركز زايد للتراث والتاريخ. ص 49-50.

[7] الدوري. مرجع سابق. ص 18.

[8] المرجع السابق. ص 23-24.

[9] المرجع السابق. ص 25.

[10] المرجع السابق. ص 26-27.

[11] ابن الجوزي، أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد. (1995). المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية. ج 16. ص 224.

[12] الميلي، إبراهيم بن شريف. (2003) أجوبة العلماء الأجلاء عن حكم كتب أحمد بن عبدالله البكري. ط 1. بيروت: دار ابن حزم.

[13] المرجع السابق. ص 21.

[14] المرجع السابق. ص 18.

[15] الحافظ الذهبي، أبو عبدالله محمد بن عثمان. (1993) المنتقى من منهاج الاعتدال. ط 3. الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ص 541.

[16] المغربي، السموأل بن يحيى. (2006). غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود. ط 1. القاهرة: دار الآفاق العربية. ص 97.

[17] المرجع السابق، نفسه.

[18] سالم، نبيلة إبراهيم. (1982). “السيرة النبوية بين التاريخ والخيال الشعبي”. عالم الفكر، مج 12. ع 4. ص 349.

[19] الطباطبائي، عبدالعزيز. (1411). “أهل البيت في المكتبة العربية”. تراثنا. ج 23. ع 2. ص 68.

[20] الورد، وليم. فهرست المخطوطات العربية بالمكتبة الملكية في برلين-ألمانيا. بيروت: مركز الخدمات والأبحاث الثقافية. ج 8.

[21] بروكلمان، كارل. (1977). تاريخ الأدب العربي. ط 2. القاهرة: دار المعارف. ج 6. ص 221-223.

[22] عبدالجواد، خيري. (2010). القصص الشعبي؛ الجزء الثالث: مغازي الإمام علي عليه السلام. بغداد؛ بيروت: منشورات الجمل.

[23] الأزكوي، سرحان بن سعيد. (2013). كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة. 3 ج. ط 2. مسقط: وزارة التراث والثقافة.

[24] القلهاتي، محمد بن سعيد. (1980). الكشف والبيان. 2 ج. ط 1. مسقط: وزارة التراث القومي والثقافة.

[25] ولستيد، ج. ر. (2017). رحلات في الجزيرة العربية: عُمان والنقب.  ط 1. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي. ص 169.

[26] تم الاعتماد في بيانات مخطوطات مكتبة السالمي على موقع المكتبة الإلكترونية التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان www.mara.gov.om

[27] تحتفظ وزارة التراث والثقافة بمخطوط رقم 3852 بعنوان (قصة القاضي واللص)، نسخ سنة 1398هـ، ولعلها مشابهة لهذه القصة.

[28] مجهول. (2008). ألف ليلة وليلة. ط 2. بيروت: دار صادر. ج 1. ص 737-794.

[29] الشيباني، سلطان بن مبارك وآخرون. فهرس مخطوطات الأدب، المجلد الأول، مسقط، وزارة التراث والثقافة. ط 2، 2019م. ص 38.

[30] مكناطن، وليم حي. 1839. ألف ليلة وليلة؛ أعني كتاب ألف ليلة وليلة؛ يدعى عموما أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة ويورث الطرب. كلكتا- لندن. ج 1.

[31] فهرس مخطوطات الأدب، مرجع سابق، ص 38.

[32] مجهول. (2008). ألف ليلة وليلة. ط 2. بيروت: دار صادر. ج 2. ص 114-178.

[33] ابن شهرأشوب، أبو جعفر محمد بن علي. (1991). مناقب آل أبي طالب. ط 2. بيروت: دار الأضواء. ج 2. ص 347-348.

[34] الكعبي، ضياء. (2005). السرد العربي القديم: الأنساق الثقافية وإشكاليات التاويل. ط 1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص 63.

[35] المرجع السابق، ص 64.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *