من شواهد الكتابة العربية في عُمان، أنموذج من الكتابة على النحاس

جمال بن محمد الكندي

اهتم العمانيون وغيرهم من العرب بالتقييد بالكتابة على حوامل أخرى غير الورق الذي نراه في المخطوطات والوثائق، ومرجع ذلك إلى اختلاف أغراض الكتابة والظروف المحيطة وقتها. فمن ذلك الكتابة على الصخور، وعلى الخشب كما في  عناصر العمارة مثل الأبواب و النوافذ، و كذا على المعادن كما نراه في الحُلي الفضية النسائية والرجالية، وفي الأواني المصنوعة من النحاس المسمى بالصفر عند أهل عمان.

ولعل هذا الصنف الأخير من بين أبرز أشكال الكتابة الجديرة بالبحث والدراسة، لما يقدمه من معلومات عن أعلام وشخصيات وتواريخ وأنماط حياة، ولأنه يقرّب إلى الأفهام بعض ما نجده في التراث الفقهي من أسماء الأواني والمتاع وأدوات الكيل والوزن وغيرها، وينقل كذلك صورة لأشكال وأنماط  الكتابة وأساليب النقش، سواء كان ذلك من عمل الصفّار (الصانع) أو المالك فيما بعد. ومن الأمثلة على ذلك ما نُشر في العدد الأول من مجلة الذاكرة عن الدواة النحاسية التي قُيّد عليها اسم سيدة عمانية، فكان المكتوب عليها مما قاد إلى البحث عن ترجمة لها وعن تاريخ أسرتها ومحيطها وزمانها. ([1])

ومن خلال تتبعي للقطع النحاسية  ونقش الأسماء عليها شدّني هذا الفن فأصبح عندي شغف البحث في الكتابة على النحاس، وفي مجموعتي الكثير من القطع ترك الصُنّاع أو المُلّاك أثرهم عليها بالكتابة.

كان القصد من الكتابة على الأدوات والأواني فيما مضى حفظها لمُلّاكها عند استعمالها للطهي أو تقديم الطعام أو لغير ذلك من الأغراض بين أهل البلد، و حتى يتمكن الآخر من معرفة صاحب الآنية أو الأداة وإعادتها إليه. وبعد ذلك تطور الأمر إلى أن ينقش الصفّار (الصانع) اسم مالك القطعة مبتدئًا في الغالب بكلمة (مال) أو بإضافة لام الملكية للاسم، ثم يتبع ذلك تاريخ صنع القطعة واسم الصانع أحيانًا وبلده. وفي هذه المقالة نمثّل لهذا الصنف من الكتابة بتناول قطعة واحدة من الصناعات النحاسية القديمة، وهي مما لم نجد له مثيلًا بالنظر إلى التقييدات التي كتبت عليها ودقة ما فيها من معلومات. والقطعة من مقتنياتي وهي مكبة من النحاس الأحمر ذات حجم كبير نُقِشت حولها خمس حلقات من المأثورات. أما صفة المكبة عامة فهي وعاء من النحاس أو الفضة أسطواني الشكل له غطاء وحِلق للقفل متعددة الاستخدامات من حيث الحجم والنوع. ونستعرض هنا بالوصف كل حلقة على حدة من هذه القطعة الثمينة:

الحلقة الأولى (لوحة1):

»مال ناصر بن حمد بن سليمان اليعربي«

وبالبحث عن هذه الشخصية  بالتواصل مع الباحثين والمهتمين بالأنساب توصلنا إلى أن صاحب هذه القطعة هو ناصر بن حمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عدي بن محمد بن حمير بن بلعرب بن سلطان بن مالك اليعربي. وابن عمه هو ناصر بن محمد بن سليمان، كان واليًا على بهلا، أما ناصر بن حمد فلم يكن له -فيما يظهر- دور سياسي أو اجتماعي بارز. ([2])

الحلقة الثانية (لوحة 2):

»تاريخ 15 ربيع الاخر سنة 1231«

في الحلقة الثانية نُقش التاريخ وهو الخامس عشر (بالأرقام) حيث من المهم التركيز في قراءة الرقم خمسة إذ قد يُقرأ أربعة أو أربعة عشر، وقد رسمت بالأرقام التي يقال بأنها هندية الاصل ([3]) والشهر ربيع الاخر، وفي الأسفل كُتبت السنة هكذا:( 31و12هـ) بوضع حرف الواو بين خانة الألف وبين خانة المئات والعشرات، ثم حرف الهاء منقوش بزخرفة على شكل ورقة، وهو إشارة إلى التاريخ الهجري.

ويقابله بالتاريخ الميلادي: 14 مارس 1816م، أي في عهد السيد سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي (1219هـ/ 1804م – 1273هـ/ 1856م). ([4])

الحلقة الثالثة (لوحة 3):

«عمل جعفر بن سعيد بن خلفان النزوي»

من خلال الحلقة عرفنا اسم صانع هذه القطعة، وهو جعفر بن سعيد بن خلفان النزوي نسبة إلى مدينة نزوى،  ومن المعلوم أن مدينة نزوى كانت من أكبر أسواق الصفارة (صناعة المشغولات النحاسية) وأكثرها رواجًا في عمان، إذ كانت تصنع بها أجمل التحف بنقوش نباتية وهندسية، ومن المعلوم أن النقوش العمانية على المشغولات كانت خالية من التصاوير الآدمية والحيوانية و كل ذي روح، وللفقهاء رأي في ذلك.

وكلمة «عمل» هنا تعني (صنعة) أو (صناعة) فلان، كما أن بعض الصناع كان يستعمل كلمة (خَدَمَ) فلان أي صنع. ومن خلال البحث لم نجد ذكرًا لهذه الشخصية في أي مصدر، ولم نصل إلى ذريته بنزوى إن كان له عَقِب، و البحث ما زال جاريًا.

الحلقة الرابعة (لوحة 4):

»صح الوزن مَنَّين عمان وكياس ونصف«

و(صح) الوزن هنا تعني ثبتت صحة وزن القطعة، و(مَنّ عمان) وحدة وزن يعرّفها بعض كبار السن من الذين عملوا بالتجارة من الثقات بأنها تساوي مائة واثنين وتسعين مثقالًا، والمثقال يساوي وزن أربعة غرامات، أي أن مَنّ عمان يساوي سبعمائة وثمانية وستين غرامًا فقط .([5]) وقد قربه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي إلى ثمانمائة غرام([6])، أما تعريفه في الموسوعة العمانية ففيه بأنه يساوي ألف غرام أي كيلوغرامًا واحدًا([7]) ، والكياس هي وحدة من وحدات الوزن، والأصل (قياس)، ويساوي مَنّ عمان أربعة وعشرين كياسًا، أي أن وزن الكياس الواحد بِمَنّ عمان يساوي اثنين وثلاثين غرامًا، وعند حساب ما نقش بالقطعة كالتالي:

منين عمان × وزن المن 768 غرام = 1536غرام.

والكياس = 32 غرامًا

ونصف الكياس = 16 غرامًا

أي أن مجموع وزن القطعة = 1584غرامًا. (لوحة 5)

وعندما وزنّا القطعة أخذتنا الدهشة من دقة الوزن وتطابقه مع مجموع الأوزان المذكورة، وهذا يثبت صحة وزن القطعة ودقة الأوزان العمانية حينذاك، وحرص العمانيين على تثبيت معايير الأوزان.

 

الحلقة الخامسة: (لوحة 6)

»الثمن قرشين ولاريّة»

هنا في الحلقة الخامسة نقش الثمن، وهو قرشان، قيمة صنع المكبة النحاسية، والقرش نقد يطلق عليه قرش فرنس أو ريال فرنس، لكن هو الدولار أو التيلر النمساوي للإمبراطورة ماريا تيريزا، ويزن 28 غرامًا، وهو مؤرخ سنة 1780 م. (لوحة 7)

أما اللاريّة فلابد أن نقف عند هذا النقد الذي يرد ذكره في الكتب الفقهية والمخطوطات والوثائق، بينما يغيب وصفه وتصوّر شكله، وهو نقد من سلطنة لار بفارس، عبارة عن سلك من الفضة مثنيّ على بعضه، شبيه بالملقط أو ملزم الشعر عند النساء، ويزن خمسة غرامات،([8])  (لوحة 8). وهناك العديد من طرازت اللاريات، منها ما ضربت بمملكة هرمز وسلطنة الدبيل والبيجابور بالهند (كراتشي حاليًا)، و كذلك طراز اللارية المعكوفة، ومنها ما ضرب بجزيرة سيلان.([9]) ومن خلال ما كُتب في الحلقة الخامسة والأخيرة يتضح بأن ثمن المكبّة يعادل وزن واحد وخمسين غرامًا من الفضة.

([1]) انظر: مجلة الذاكرة. العدد (1) جمادى الآخرة 1440هـ/ مارس 2019. ص: 109.

([2]) وثيقة بحوزة أ. خليفة بن خلفان بن يعرب اليعربي. وفيها يظهر أن نسبه كالتالي: خليفة بن خلفان بن يعرب بن حمير بن مالك بن عامر بن قحطان بن يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي  النزوي سكنًا والرستاقي أصلًا. والوثيقة مؤرخة في 7 رجب 1232هـ، وقد اطلعت على صورة لها. 3 يناير 2019م.

([3]) جدول الأرقام. WORLD COINS. 1993م.

([4]) الموسوعة العمانية: 5/ 1776.

([5]) مقابلة مع ناصر بن رشد بن مرهون الشكيلي بسوق نزوى.  يوليو2017.

([6]) فتوى حول حكم الماء الراكد.

([7]) الموسوعة العمانية: 9/ 3424-3429.

([8]) تاريخ النقود في سلطنة عمان. روبرت دوران. البنك المركزي العماني. 1990م. ص: 55.

([9]) تاريخ العملات المعدنية بالكويت. باسم محمد الابراهيم. مطابع الوطن التجارية. 2010م. ص: 74.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *