من نماذج التأريخ في قيد الفراغ .. موقعة الديو من بلاد الهند في القرن الحادي عشر الهجري

يتبادر إلى الذهن أن بعض نُسّاخ المخطوطات كانوا يدركون القيمة العلمية والحضارية التي ستظهر في قادم الزمن لما يكتبونه في قيد الفراغ أو ما اصطُلِح عليه بـ (حرد المتن)، فكانوا يولونه اهتمامهم بِوِجهتين من العناية إحداهما مادية كوديكولوجية، والأخرى معنوية نصية، أما الأولى فهي الزخرفة والتنميق وما يتبعها من تجويد الخط وإبرازه، والتحمير واتخاذ أشكال هندسية متعددة للخط، وأما الأخرى فما يُزاد في النص عن البيانات الأساسية المعروفة نحو اسم الناسخ والمنسوخ له وزمان النسخ ومكانه. فمما يزيد على ذلك في كثير من الشواهد وصف مكان النسخ، أو الإطالة في سلسلة نسب الأعلام (المؤلف أو الناسخ أو المنسوخ له)، أو التأريخ للوقائع والأحداث ووصف الحال أو الواقع، وهذا الصنف الأخير هو ما يعنينا هنا. ينقل الناسخ تارة خبرًا لواقعه هو حين نسخه للكتاب فيقول: «وأنا يومئذ في خدمة مولانا إمام المسلمين في حصن كذا»، أو يقول: «ونحن مقيمون في بستان كذا في أوان القيظ»، أو يقول: «وأنا يومئذ أُعَلِّم الأولاد في مسجد كذا» أو يصف حال المنسوخ له بقوله: «وهو يومئذ والٍ لإمام المسلمين في حصن كذا، أو قرية كذا، أو بلد كذا» ونحو ذلك من العبارات. وقد يتجاوز الناسخ كل ذلك إلى التأريخ للوقائع والأحداث العامة في البلد أو حتى في الآفاق البعيدة، والمثال الذي ننقله هنا هو تأريخ نادر في آخر مخطوط كتاب (الكشف والبيان) لمحمد بن سعيد القلهاتي الأزدي (ق6هـ)، وهو محفوظ بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة برقم 2713، ومنسوخ سنة 1080هـ بقلم سعيد بن خلفان بن سعيد بن محمد بن ماجد، نسخه للفقيه محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان، وقد أرّخ فيه لموقعة (الديو) من بلاد الهند، التي خاضها جيش الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي نحو سنة 1079هـ/ 1668م في مواجهة البرتغاليين، ونص ما كتبه الناسخ: «وقبل هذه السنة بستة أشهر أقل أو أكثر بأيام استفتح إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك بلاد النصارى التي تسمى الديو من الهند. استفتحها وأسر منها ألفين وخمسماية من رجل وامرأة، وقتل منها قدر خمسماية،  وأخذ منها من الأموال والآنية ما [لا] يحصيه إلا الله تعالى. وفي هذه السنة خرج النصارى من جوّه على ما يقال في تسعة مراكب، ثم خرج عليهم الإمام سلطان بن سيف على ما يقال في أربعة عشر مركبًا، فأخذوا النصارى وأحرقوهم وقتلوهم وانهزم منهم مركبين والمسلمون في طلبهم، فلا ندري ما يكون بعد، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا توفيق إلا بالله».

ونلحظ هنا أن الناسخ أسهب في تفاصيل الحدث حتى أن النص يوازي ما جاء في قيد الفراغ من النسخ، وكأي واقعة مهمة يُعنى بها الناس في أي زمان فإن الناسخ التفت هنا إلى تأريخ الحدث متأثرًا بما يجري حوله وما يبلغه من أخبار. ولأن الأخبار حينذاك لا تنتقل كلمح بالبصر كما هي اليوم فإنه أرخ للحادثة من أولها بقوله: «وقبل هذه السنة بستة أشهر أقل أو أكثر بأيام» ثم في آخر تقييده جاء بعبارة تفيد تواصل الأحداث في السياق ذاته بقوله: « فلا ندري ما يكون بعد، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد». نلحظ أيضًا أنه أتبع التأريخ لموقعة الديو بتأريخ آخر وقع في السنة التي نسخ فيها الكتاب (1080هـ) وهي خروج البرتغاليين من جوّه (جوا) بالهند، ومطاردة الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي لهم. كما استعمل الناسخ اصطلاح (النصارى) الذي يقابله أيضًا (البرتكيس) في بعض المصادر العمانية، وهذا الأخير مأخوذ فيما يبدو من الاسم اللاتيني للبرتغاليين  Portuguese.

نخلص هنا إلى أن مثل هذه التواريخ هي من النصوص الخارجة عن متون الكتب التي تتعدد مواضعها لتشمل قيد الفراغ أيضًا، وأنها تنفرد تارة بأخبار ومعلومات ليست في غيرها.  بقي أن نشير إلى أنه يلي قيد الفراغ في هذا المخطوط تقريظ منظوم لكتاب الكشف والبيان للقلهاتي، وهو من شعر الفقيه خلف بن سنان الغافري (ق11-12هـ). وتقريظ الكتب يكون نثرًا أو شعرًا، وموضوعه وصف الكتاب ومؤلفه وذكره بالثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *